اعداد مركز المدار
عنوان المقال: ترامب يُنهي الحروب ويُطلق الغواصات… من عيادته النفسية
في عالمٍ تُقاس فيه الحقيقة بعدد المرات التي يُكرر فيها ترامب كذبة، أصبح من السهل أن نصدق أن الحرب في أوكرانيا انتهت فعلاً، ليس بوساطة دبلوماسية، بل بتصريحٍ رئاسي عبر “ترويتر” من داخل غرفة العناية الترابية في مارالاغو. نعم، أصدقائي، دونالد ترامب أعلن نهاية الحرب في أوكرانيا، وكأنه لا يزال يملك زرّ “إيقاف” للحروب، مثلما كان يظن أنه يملك زر “إطلاق الصواريخ” في المكتب البيضاوي. لم يُكلف نفسه عناء إبلاغ كييف أو موسكو، لكنه أبلغ المرآة في حمامه، وهي الوحيدة التي ما زالت تُصدقه. والنتيجة؟ استمرار القصف، لكن مع “شعور داخلي” بأن السلام قريب، حسب قول ترامب، الذي يعتمد على “الطاقة الإيجابية” كوسيلة دبلوماسية.
لكن ترامب لم يتوقف عند أوهام السلام. في خطوة تُعدّ تحدياً لقوانين الفيزياء والمنطق، أعلن إرسال غواصات نووية أمريكية إلى المياه الإقليمية الروسية بالقرب من القطب الشمالي، ليس لردع، بل “للاستمتاع بجمال الجليد”. نعم، هذا ما قاله تقريباً، مضيفاً أن “الغواصات تحب التزلج تحت الجليد”. الخبر المزعج؟ هذه الغواصات لا تزال راسية في قاعدة نورفولك، وروسيا لم تُلاحظ أي تهديد نووي، لكنها لاحظت أن ترامب يُعيد تغريدات من حسابات تُسمى “ناتو الخيالي”. هل نحن في خطر؟ لا. هل ترامب يعتقد أننا في خطر؟ نعم، طالما كان هذا يُبقيه في الأخبار.
أما عن اليونسكو، فقد أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة مرة أخرى، ليس بسبب تمويل منظمات “تكره أمريكا”، بل لأن اليونسكو رفضت إدراج “مارالاغو” كموقع تراث عالمي. “إذا لم يُعترف بجمال ملكتي، فلن نعترف بجمال بارثينون”، هكذا علّق ترامب، متجاهلاً أن اليونسكو لا تُدرج قصوراً يُشتبه في استخدامها كنادي للغولف ومركز لغسيل الأموال. الانسحاب هذا المرة جاء مع تغريدة تقول: “اليونسكو تكره الحقيقة، والحقيقة هي أن جداري هو الأقوى في التاريخ”. نعم، جداره في المكسيك، الذي لم يُبنى، لكنه “موجود في عقلي”، حسب تعبيره.
في مشهد آخر من مسرحية الكوميديا السوداء، تحدث ترامب عن “إعادة فتح مضيق بانما”، مدعياً أن القناة مغلقة منذ عهد كولومبوس، وأنه الوحيد القادر على “فتحها بالقوة”. لم يُدرك — أو تنكر — أن القناة تعمل بشكل طبيعي، لكنه أصرّ أن “السفن تنتظر إذنه”، مضيفاً أن “الرئيس بايدن يُبطئ التجارة العالمية عن قصد”. وعندما سُئل إن كان يقصد قناة بنما، أجاب: “لا، قناة بانما، وهي في آيسلندا، حيث تُصنع الجليد”. آيسلندا، التي لا تملك قناة، ولا جليداً تجارياً، أصبحت فجأة مركزاً جيوسياسياً في عقل ترامب، الذي يخلط بينها وبين جرينلاند، التي ما زال يحلم بشرائها.
لكن أخطر ما في هذا المسرح العبثي هو موقفه من قطاع غزة. في سلسلة من التغريدات المُربكة، دعا ترامب إلى “التعامل الحازم” مع ما سماه “مذبحة الابادة ضد إسرائيل”، متجاهلاً أن الضحايا هم الفلسطينيون، وليس العكس. وصف الهجمات الإسرائيلية على غزة بـ”العملية النظيفة”، وقال إن “الفلسطينيين يعيشون في ناطحات سحاب، لذا لا يمكن أن يكونوا بعيدين عن الصواريخ”. لم يُبدِ أي تعاطف مع المدنيين، بل أشار إلى أن “الدمار يُحسن من قيمة الأراضي على المدى الطويل”. عندما سُئل عن الأطفال القتلى، أجاب: “ربما كانوا يتدربون على أن يكونوا حماس”، في تبرير يُنافس في سخافته وحشيته.
في النهاية، لا نعرف إن كان ترامب يعتقد حقاً بما يقول، أم أنه يختبر حدود السُخف البشري. ربما هو يعيش في عالم موازٍ، حيث الحرب انتهت، والغواصات تسبح في القطب، وقناة بانما مغلقة، وآيسلندا مركز التجارة العالمي، وغزة “تحتفل” بالقصف. لكن المأساة الحقيقية ليست في أكاذيبه، بل في أن هناك من يُصغي، بل ويُصوّت، بل ويُخطط ليعيده إلى البيت الأبيض. فهل نحن نعيش في كوميديا سوداء؟ نعم. هل الضحية هي الحقيقة؟ بالتأكيد. وهل البطل؟ لا بطل هنا، فقط رجل يُعيد تدوير كذباته كأنها سياسة خارجية، بينما العالم يحترق، وهو يُعدّد أسماء مبانيه كإنجازات دبلوماسية.
السخرية هنا ليست للتهوين، بل للفت النظر: عندما تصبح الكذبة اليومية عُرفًا رئاسيًا، فإن الكارثة ليست في الكذب، بل في أننا تعودنا علي
