د. عمر عبد العاطي
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_مع بداية ولايته الثانية في البيت الأبيض، اتسمت سياسات الرئيس دونالد ترامب تجاه روسيا والحرب القائمة في أوكرانيا منذ 24 فبراير 2022 بتغيرات ملحوظة خلال الأشهر الستة الأولى؛ ففي البداية تبنَّى ترامب نهجاً تصالحياً تجاه موسكو؛ حيث عرض تقديم تنازلات كبيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، شملت الإقرار بسيطرة موسكو على مناطق في أوكرانيا، واستبعاد انضمام الأخيرة إلى حلف شمال الأطلسي (حلف الناتو)، إضافةً إلى تخفيف العقوبات الأمريكية على موسكو، حتى إن تقارير أشارت إلى محاولات ترامب بحث إمكانية الاعتراف الرسمي الأمريكي بضم شبه جزيرة القرم، التي سيطرت عليها في عام 2014؛ ما شكَّل تحولاً واضحاً عن الإدارة الديمقراطية السابقة التي كانت متشددة تجاه موسكو.
مع مرور الوقت وتزايُد انتقادات الحلفاء والدبلوماسيين الأوروبيين، بدأ دونالد ترامب يغير سياساته الخارجية تجاه روسيا تدريجياً؛ فقد أعلن الرئيس الأمريكي عن حِزَمٍ جديدة من الدعم العسكري لأوكرانيا، تشمل تزويدها بأنظمة دفاع جوي متطورة، وصواريخ متقدمة عبر اتفاقيات مع حلف الناتو. بالتوازي، لوَّح ترامب بفرض عقوبات نفطية صارمة، وطالب بوتين بإبرام اتفاق سلام في غضون فترة زمنية محددة، أولاً 50 يوماً ثم اختصرها لاحقاً إلى 10 أو 12 يوماً، مهدداً بفرض قيود قاسية على صادرات روسيا وداعميها إذا فشل في الاستجابة لمبادرات التسوية للأزمة الأوكرانية.
أسباب متعددة
تزامن التصعيد الأمريكي ضد روسيا مع تصاعد التوترات الكلامية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، وذلك على خلفية المهلة الزمنية التي طرحتها واشنطن لإنهاء الحرب في أوكرانيا. وقد زاد التوتر مع إعلان الولايات المتحدة نشر غواصتين نوويتين قبالة السواحل الروسية، قابلتها موسكو وبكين بتنظيم مناورات عسكرية مشتركة، في رسالة واضحة للرد على التصعيد الأمريكي. ويكمن وراء التغيير الحادث في سياسات إدارة دونالد ترامب خلال أشهرها الستة الأولى في البيت الأبيض جملة من الأسباب، يتمثل أبرزها فيما يلي:
1– عدم رغبة بوتين في إنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية: أحد المحركات الأساسية لتحول سياسة دونالد ترامب تجاه روسيا وفلاديمير بوتين خلال الأشهر الستة الأولى من رئاسته، كان إدراك الرئيس الأمريكي التدريجي رفض روسيا الواضح لإنهاء الحرب في أوكرانيا؛ فالرئيس الأمريكي، الذي دخل البيت الأبيض بروح تفاوضية ورغبة في إعادة رسم العلاقة مع موسكو، قدَّم في البداية إشارات إيجابية لبوتين، من بينها الاستعداد لمراجعة العقوبات المفروضة على روسيا مقابل تقدم ملموس نحو التسوية، غير أن هذا الانفتاح قوبل بتصعيد روسي عسكري مضاد في أوكرانيا، تمثَّل في زيادة وتيرة الضربات الصاروخية ضد المدن الأوكرانية، وتوسيع نطاق المطالب الإقليمية الروسية. ومع تعثر المفاوضات، بدا لواشنطن أن الكرملين لا يسعى إلى تسوية، بل إلى ترسيخ مكاسب ميدانية وتكريس معادلة جديدة بالقوة. دفع هذا السلوك الإدارة الجمهورية، التي كانت تأمل في عقد صفقة سريعة لإنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية، إلى مراجعة حساباتها، خصوصاً بعد أن تحوَّلت وعود بوتين الضمنية بالتعاون إلى مراوغات دبلوماسية وتوسُّع عسكري فعلي في الأراضي الأوكرانية.
2– ضغوط الداخل الأمريكي لفرض عقوبات على روسيا: شهدت الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب تصاعداً لافتاً في ضغوط المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين لفرض عقوبات أشد على روسيا في ظل استمرار عدوانها العسكري المتجدد على أوكرانيا، وقد عبَّر العديد منهم عن استيائهم من تردد ترامب في تبنِّي إجراءات حاسمة، نتيجة رغبته في إبقاء نافذة التفاوض مع الرئيس فلاديمير بوتين مفتوحة، بجانب تشكُّكه في فاعلية العقوبات الاقتصادية كأداة لتغيير السلوك الروسي، غير أن تحالفات من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) في مجلسَي الكونجرس: الشيوخ والنواب، قادت حملة مكثَّفة للضغط على البيت الأبيض من أجل تبنِّي حزمة عقوبات موسَّعة استهدفت القطاعات الحيوية للاقتصاد الروسي، بجانب مقترحات بفرض تعريفات جمركية قد تصل إلى 500% على الدول التي تواصل استيراد النفط الروسي.
وقد أجبر هذا الضغط المتزايد الرئيس الأمريكي على تعديل موقفه، خاصةً مع تصاعد الانتقادات الداخلية واشتداد الهجمات الروسية على الأراضي الأوكرانية. ويمثِّل التحوُّل في موقف ترامب استجابةً براجماتيةً لحقائق المشهد السياسي الداخلي الأمريكي؛ إذ وجد نفسه مضطراً إلى التوفيق بين رؤيته الشخصية القائمة على انتهاج سياسة خارجية مرنة تجاه موسكو، وبين الإلحاح المتزايد من الديمقراطيين والجمهوريين الذين رأوا في العقوبات أداة مركزية لإضعاف القدرة الحربية الروسية وردع بوتين عن المضي في مخططاته التوسعية.
3- استهداف مصادر التمويل العسكري الروسي: مع استمرار العمليات العسكرية الروسية ضد أوكرانيا رغم دعوات دونالد ترامب المتكررة لموسكو إلى وقفها من أجل التوصل إلى صفقة لإنهاء تلك الحرب؛ هدفت سياسات ترامب مؤخراً إلى استهداف مصادر تمويل القدرات العسكرية الروسية والرد على تعنته في المفاوضات، وعلى رأسها قطاع الطاقة، بالتهديد بفرض عقوبات مباشرة على قطاع الطاقة الروسي، وكذلك عقوبات ثانوية على الدول التي تستورد النفط والغاز من موسكو. هذا التوجُّه لم يكن فقط وسيلة لفرض ضغوط اقتصادية على الكرملين، بل كان يهدف إلى تقليص قدرة روسيا على تمويل عملياتها العسكرية وبنيتها الدفاعية، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات في أوكرانيا، واستمرار موسكو في سياساتها العسكرية التي تقوض الجهود الأمريكية لإنهاء الأزمة الأوكرانية.
5– ضغوط الحلفاء الأوروبيين لتغيير ترامب سياساته تجاه أوكرانيا: جاء تغيير ترامب لمواقفه تجاه الرئيس الروسي على خلفية تعبير العديد من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا، وعلى رأسهم ألمانيا وفرنسا وبولندا، عن قلقهم العميق من سياسات ترامب تجاه الأزمة الأوكرانية خشية أن تقوِّض أمن القارة الأوروبية وتمنح روسيا ضوءاً أخضر للتوسع الجيوسياسي. ونتيجةً لهذا الضغط، بدأ فريق ترامب يعيد النظر في جدوى سياسة الانفتاح تجاه موسكو، ولا سيما بعد فشل الكرملين في الاستجابة لأي مبادرات سلام أو إبداء حسن نية تجاه إنهاء العمليات العسكرية في أوكرانيا. أمام هذا الواقع، اتخذت إدارة ترامب خطوات عملية لتعديل نهجها، فدعمت توريد الأسلحة إلى أوكرانيا عبر دول حلف الناتو بتمويل أوروبي، بما مكَّن إدارة ترامب من تقاسم أعباء المواجهة مع الحلفاء الأوروبيين، من دون أن تتحمَّل واشنطن وحدها التكاليف المالية والسياسية.
6- رغبة ترامب في اتباع سياسة حازمة تجاه بوتين: ارتبط أحد تفسيرات أسباب التحول في السياسة الخارجية لإدارة ترامب تجاه روسيا مؤخراً بشخصية ترامب نفسها ودوافعه الفردية؛ حيث تبدو الكثير من تلك التحولات مرتبطة برغبته في حماية صورته أمام الداخل والخارج أكثر مما ترتبط برؤية استراتيجية مدروسة، وخوفه من أن يظهر بمظهر الرئيس الضعيف أمام بوتين. فمقاربة ترامب العامة للسياسة الخارجية الأمريكية، تقوم على إبراز ملامح “الرئيس القوي” في مواجهة الخصوم الدوليين؛ فقد رأى ترامب أن التودُّد المفرط لبوتين في بداية ولايته قد يُفسَّر كعلامة ضعف أو سذاجة. ويعكس هذا التحول إدراك ترامب المتأخر أن العلاقات الشخصية لا تكفي لضمان التزام القادة الآخرين بالاتفاقات، وهو ما دفعه إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري؛ ليس فقط لكبح موسكو، بل أيضاً لتعزيز صورته أمام الرأي العام الأمريكي بوصفه قائداً حازماً لا يسمح لأي خصم دولي، حتى لو كان بوتين، بتقويض هيبة الولايات المتحدة أو النيل من موقعها العالمي.
فهم سلوك بوتين
جاء تحول سياسات دونالد ترامب من الانفتاح تجاه روسيا لإنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية إلى نهج المواجهة نتيجة تراكمات سياسية وأمنية داخلية وخارجية؛ فقد وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام أزمة تستوجب فرض كلفة حقيقية على موسكو لردعها، ولا سيما في ظل إصرار بوتين على تجاهل المبادرات الأمريكية لإنهاء الأزمة الأوكرانية التي كانت أقرب إلى الرؤية الروسية. ورداً على هذا التعنت، قلَّص ترامب علناً الإطار .
الزمني الذي منحه لروسيا لإنهاء الحرب، ملوِّحاً بعقوبات قاسية، تشمل إجراءات ثانوية بحق الدول المستوردة للنفط والغاز الروسي. لم يكن هذا التهديد مجرد تصعيد، بل عكس تحوّلاً نوعياً في أدوات السياسة الأمريكية، من الاعتماد على الحوافز الدبلوماسية إلى فرض ضغوط اقتصادية منهجية، كما كشفت هذه الاستجابة عن إدراك متزايد داخل البيت الأبيض لأن بوتين لا يستجيب إلا للتهديدات الجادة، وليس للمرونة السياسية.
يعكس التحوّل في سياسة ترامب فهماً لطبيعة السلوك الروسي؛ إذ لم يعد يُنظر إلى موسكو كطرف يمكن احتواؤه عبر المفاوضات فقط بل كفاعل يستخدم الحرب كأداة تفاوضية؛ لذلك تبنَّت إدارة ترامب موقفاً أكثر حزماً، يجمع بين الضغط الاقتصادي وتفعيل أدوات الردع، مع الحفاظ على إمكانيات إعادة الانخراط الدبلوماسي لاحقاً. وبذلك انتقلت السياسة الأمريكية تجاه روسيا من تفاؤل حذر إلى سياسات قسرية، أملتها الحسابات الجيوسياسية واستراتيجية الردع، في ظل صعود الإدراك بأن التهاون مع روسيا لا يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد.
انترريجورنال للتحليلات الاستراتيجية
