الخميس. فبراير 5th, 2026
0 0
Read Time:5 Minute, 26 Second

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية
مركز المدار للدراسات والإعلام

قراءة استراتيجية مُعمقة في التحولات الجيوسياسية للأمن الأوروبي

إشراف وتوجيه عامالدكتور هشام عوكل الأستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدوليةبروكسل

– نوفمبر 2025 | مرجع الوثيقة: EU-STR-2025-09

1. الإطار النظري والمفاهيمي: عسكرة الديموغرافيا

في حقبة ما بعد العولمة، لم تعد الحروب تقتصر على الاشتباك العسكري المباشر أو الصراع الاقتصادي التقليدي. برز في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين نمط جديد من الصراعات يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ “الحروب الهجينة” (Hybrid Warfare)، حيث يُستخدم البشر كـ “ذخيرة” استراتيجية. إن التحول الجذري في العقيدة الأمنية للاتحاد الأوروبي خلال عامي 2024 و2025 تجاه حدوده الجنوبية لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق. لم تعد قوارب الهجرة المنطلقة من سواحل شمال أفريقيا تُصنف في بروكسل كأزمة إنسانية تستدعي “الإغاثة”، بل كتهديد وجودي يستدعي “الصد”.

يُعرّف مركز المدار للدراسات مصطلح “عسكرة الهجرة” (Weaponization of Migration) بأنه التوظيف الممنهج والمدروس للتدفقات البشرية من قبل فاعلين دوليين (مثل روسيا في الساحل الأفريقي) أو إقليميين، بهدف إغراق البنية التحتية للخصم، خلق اضطرابات اجتماعية، وصعود تيارات اليمين المتطرف، مما يؤدي في النهاية إلى شلل القرار السياسي. هذا المفهوم، الذي تبلور بوضوح إبان أزمة الحدود البيلاروسية-البولندية، أصبح اليوم “العدسة” الحصرية التي يقرأ من خلالها الناتو والاتحاد الأوروبي المشهد في البحر المتوسط.

إن انتقال مركز الثقل الأمني من “إدارة اللجوء” وفق اتفاقية جنيف لعام 1951، إلى “إدارة الحدود” وفق مفاهيم الأمن القومي الصارمة، يعكس نهاية حقبة “أوروبا المعيارية” (Normative Power Europe) التي كانت تروج لحقوق الإنسان، وبداية حقبة “أوروبا القلعة” (Fortress Europe) التي تستخدم كل أدواتها المالية والتكنولوجية لبناء جدران غير مرئية في عمق القارة الأفريقية.

2. المحور الأول: عقيدة “تصدير الحدود” (Externalization Doctrine)

تستند الاستراتيجية الأوروبية الجديدة إلى مبدأ عملياتي بسيط وخطير في آن واحد: “نقل خط الدفاع الأول من شواطئ صقلية والأندلس إلى شواطئ تونس، ليبيا، وموريتانيا”. هذا المبدأ، المعروف بـ “تصدير الحدود”، تحول من مجرد تكتيك مؤقت إلى عقيدة ثابتة في السياسة الخارجية الأوروبية، ويتم تنفيذه عبر آليتين رئيسيتين:

أ. الدبلوماسية المالية (The Financial Shield)

استبدلت المفوضية الأوروبية برامج “دعم التحول الديمقراطي” التقليدية بحزم “دعم مالي كلي” (Macro-financial assistance) ضخمة ومشروطة. الاتفاقيات الموقعة مع تونس (يوليو 2023) ومصر (مارس 2024) وموريتانيا (2025) تمثل النموذج التطبيقي لهذه السياسة: “المال مقابل الاحتواء”. تضخ أوروبا مليارات اليوروهات في البنوك المركزية لهذه الدول، ليس بهدف التنمية المستدامة، بل لتمويل وتحديث الأجهزة الأمنية وحرس الحدود، وتحويل هذه الدول إلى مناطق عازلة (Buffer Zones) تمتص الصدمات البشرية القادمة من جنوب الصحراء.

ب. فخ الاعتماد المتبادل والابتزاز السياسي

رغم أن هذه الاستراتيجية حققت نجاحاً رقمياً (انخفاض التدفقات في وسط المتوسط بنسبة 30% في 2025)، إلا أنها خلقت معضلة استراتيجية خطيرة تُعرف بـ “مفارقة الابتزاز”. لقد أصبحت أوروبا، بكل قوتها، رهينة لاستقرار وقرارات دول العبور. تدرك العواصم العربية والأفريقية أنها تمتلك “صنبور الهجرة”، وهو ما يمنحها “قوة رافعة” (Leverage) هائلة في أي مفاوضات. في هذا السياق، لم تعد الدول الأوروبية قادرة على انتقاد ملفات حقوق الإنسان أو الديمقراطية في دول الجنوب، لأن الرد الضمني والجاهز هو: “هل تريدوننا أن نوقف حراسة الشواطئ؟”.

“إن أوروبا اليوم لا تشتري الأمن، بل تستأجره بعقود مؤقتة وباهظة الثمن. وأي اهتزاز سياسي في دول شمال أفريقيا لن يعني مجرد تغيير حكومي، بل انهياراً فورياً لمنظومة الأمن القومي الأوروبي برمتها.”

3. المحور الثاني: الجدار الرقمي وعسكرة التكنولوجيا

بما أن الجدران الإسمنتية أثبتت فشلها التاريخي، لجأت أوروبا إلى بناء “جدار رقمي” (Digital Wall) يعتمد على التفوق التكنولوجي. هذا الجدار لا يمكن تسلقه، ولا يمكن حفر أنفاق تحته.

أ. فرونتكس: من وكالة تنسيق إلى جيش حدودي

تحولت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (Frontex) إلى ما يشبه “وزارة دفاع أوروبية مصغرة”. التطور الأخطر في 2025 هو سعي الوكالة للعمل خارج الجغرافيا القانونية للاتحاد. المفاوضات الجارية لنشر ضباط أوروبيين بصلاحيات تنفيذية (بما في ذلك حمل السلاح والاعتقال) على أراضي دول غرب أفريقيا (السنغال وموريتانيا) تمثل سابقة خطيرة في القانون الدولي، وتنازلاً سيادياً غير مسبوق من قبل دول الجنوب.

ب. حروب البيانات (Data Warfare)

مع التفعيل الكامل لنظام الدخول والخروج (EES) ونظام معلومات السفر (ETIAS)، حولت أوروبا حدودها إلى “مناطق ذكية”. يتم جمع البيانات البيومترية (بصمة الوجه، العين، والأصابع) لكل مسافر، وربطها بقواعد بيانات أمنية واستخباراتية مشتركة (Interoperability). الهدف الاستراتيجي هو القضاء على ظاهرة “إخفاء الهوية”؛ فبمجرد وصول المهاجر، يتم التعرف عليه خلال ثوانٍ وإعادته. بالإضافة إلى ذلك، تستخدم أوروبا شبكة (Eurosur) للمراقبة عبر الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة لمسح المياه الإقليمية الليبية والتونسية، ليس لإنقاذ القوارب، بل لتوجيه خفر السواحل المحلي لاعتراضها، في عملية تُعرف بـ “الصد بالوكالة” (Pull-backs).

4. التأثير الجيوسياسي: الدور الروسي والتحولات الإقليمية

لا يمكن فصل ملف الهجرة عن الصراع الدولي الأوسع. تشير تقارير الرصد في مركز المدار إلى دور متنامٍ لروسيا في منطقة الساحل الأفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر) عبر “الفيلق الأفريقي” (فاغنر سابقاً). تستخدم موسكو نفوذها هناك ليس فقط للسيطرة على الموارد، بل للتحكم في طرق الهجرة. إن دفع موجات بشرية من الساحل نحو الشمال الأفريقي هو ورقة ضغط روسية تهدف لإرباك الجناح الجنوبي لحلف الناتو، وإشغال أوروبا عن الجبهة الأوكرانية. هذا البعد يضيف تعقيداً عسكرياً للأزمة، ويحول المهاجرين إلى “بيادق” في رقعة شطرنج دولية كبرى.

5. الاستشراف المستقبلي والتوصيات الاستراتيجية

بناءً على تحليل البيانات والمؤشرات، يخلص مركز المدار إلى أن سياسة “الإغلاق المحكم” ستؤدي حتماً إلى ظاهرة “الإزاحة الجغرافية” (Displacement Effect). فالضغط على وسط المتوسط أدى بالفعل إلى انفجار طريق المحيط الأطلسي (زيادة 150%)، وهو طريق أطول وأكثر خطورة.

السيناريو المستقبلي (2026-2030): ينذر الوضع الحالي بتحول دول شمال أفريقيا إلى “مراكز احتجاز كبرى” (Mega-hubs) للمهاجرين المرفوضين أوروبياً. هذا التكدس البشري، في ظل ظروف اقتصادية صعبة، يمثل “قنبلة موقوتة” قد تنفجر اجتماعياً وأمنياً في أي لحظة.

التوصيات:
1. لصناع القرار في أوروبا: الخروج من “فهم القلعة”. الأمن المستدام لا يتحقق بالجدران، بل بالتنمية الحقيقية في دول المصدر، وفتح مسارات هجرة نظامية (Circular Migration) لسد الفجوة الديموغرافية الأوروبية بطريقة قانونية.
2. لدول العالم العربي: إعادة صياغة الشراكة الأمنية. يجب أن يكون ثمن “حراسة أوروبا” هو توطين التكنولوجيا، استثمارات صناعية كبرى، وحل سياسي لملف الديون، وليس مجرد مساعدات مالية تذهب في نفقات تشغيلية.

المصادر والمراجع (References & Sources)

  1. European Commission (2024): “New Pact on Migration and Asylum: State of Play”. وثيقة رسمية.
  2. Frontex Risk Analysis 2025/2026: التقرير الاستراتيجي السنوي لوكالة حرس الحدود الأوروبية.
  3. Carnegie Endowment for International Peace (2025): “The Geopolitics of Migration in the Mediterranean”.
  4. مركز المدار للدراسات والإعلام: تقارير وحدة الرصد والمتابعة الميدانية (بروكسل، 2025).
  5. International Crisis Group (2024): “Sahel: The New Frontline of Migration Warfare”.
  6. Eurostat Data Bulletin (Q3 2025): إحصائيات الدخول غير النظامي عبر الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

* هامش 1:

 تُعتمد الأرقام الواردة في هذه الدراسة بناءً على تقاطعات البيانات بين الوكالات الأوروبية والمراصد المستقلة.
* هامش 2:

 تم استخدام مصطلح “حرب هجينة” وفق تعريف الناتو في قمة فيلنيوس.

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية – جميع الحقوق محفوظة © 2025 | بروكسل – بلجيكا

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code