شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تدخل أوروبا عام 2025 في مرحلة أمنية معقّدة تتزايد فيها التهديدات الداخلية والخارجية، وسط تحولات جيوسياسية عميقة أبرزها الحرب الروسية–الأوكرانية، صعود اليمين المتطرف، واشتداد الاستقطاب الاجتماعي. وتكشف القراءة التحليلية لمؤشر الإرهاب خلال العام أن التهديد لم يعد أحادي المصدر، بل متعدد الاتجاهات، وتزداد قدرته على التفاعل والتأثير بفعل البيئة السياسية والإعلامية والدولية.
1 ـ التهديد الإسلاموي: شبكات محلية صغيرة وقابلية عالية لتنفيذ هجمات فردية
رغم انخفاض الهجمات الكبيرة خلال السنوات السابقة، يظل التيار الإسلاموي المتطرف مصدرًا ثابتًا للقلق الأمني في أوروبا. فالمشهد الحالي يُظهر بوضوح أن الخطر لم يتراجع، بل تحوّل من تنظيمات إلى خلايا صغيرة ومتعاطفين أفراد يعملون غالبًا خارج الهياكل التنظيمية.
وتشير البيانات إلى أنّ التأثير الرئيسي يعود إلى:
- الدعاية الرقمية القادمة من مناطق صراع مثل سوريا، العراق، وولاية خراسان التابعة لداعش.
- عودة الأجانب الأوروبيين من المخيمات في شمال سوريا.
- البنية التحتية الدعوية المرتبطة بالإسلام السياسي، ولا سيما الإخوان المسلمين، والتي تعمل على توفير بيئة فكرية حاضنة في بعض التجمعات.
تركّز الدول الأوروبية على سياسة “الضرب الاستباقي” عبر الاستخبارات والمراقبة، وهو ما يفسّر انخفاض عدد الهجمات، لكنه لا يعالج بالكامل حاضنة الأفكار المتصلة بالهوية والدين والسياسة الخارجية.
2 ـ اليمين المتطرف: التهديد الأسرع صعودًا والأكثر ارتباطًا بالاستقطاب الداخلي
شهد عام 2024–2025 قفزة واضحة في نشاط اليمين المتطرف، مدفوعة بــ:
- الحرب في أوكرانيا وصعود خطاب “الحرب الوجودية ضد روسيا”.
- أزمة الهوية الوطنية وقضايا الهجرة واللاجئين.
- الحملات الإعلامية والشبكات العابرة للحدود داخل أوروبا وأمريكا الشمالية. مؤشر الإرهاب 2021 المركز الأوروبي ECCI
المؤشر يوضح أن أكبر تهديد للاستقرار الداخلي في ألمانيا، فرنسا، وهولندا يأتي من مجموعات يمينية تعمل ضمن “خلايا غير هرمية” وخطاب تعبوي عبر الإنترنت، إضافة إلى محاولات اختراق المؤسسات الأمنية والجيش.
ويحذر التحليل من أن عام 2025 قد يشهد انتقال اليمين المتطرف من مرحلة التعبئة إلى مرحلة الهجمات الرمزية، خاصة مع تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية.
3 ـ تأثيرات الحرب الروسية ـ الأوكرانية: تهديدات هجينة وتوسع نطاق مخاطر التجسس والتخريب
باتت الحرب في أوكرانيا العامل الأكثر تأثيرًا على الأمن الأوروبي. فقد رفعت الحرب مستوى الاستنفار الأمني، وأنتجت تهديدات غير تقليدية أبرزها:
- عمليات التخريب ضد البنية التحتية الحيوية (طاقة، اتصالات، موانئ).
- نشاط استخباراتي روسي مكثف داخل أوروبا، يشمل العملاء “للاستخدام لمرة واحدة” والشبكات السريّة.
- تحريض إعلامي ومعلومات مضللة تستغل الانقسامات السياسية الأوروبية.
- احتمالات انتقال عمليات الانتقام المتبادل إلى الأراضي الأوروبية، في حال توسّع مشاركات الناتو.
وتبيّن المؤشرات أن فرنسا، ألمانيا، وبولندا تمثل “الدول الأكثر عرضة” لهذه التهديدات، خاصة مع رغبة باريس في لعب دور قيادي في أوكرانيا واتساع دعمها العسكري.
4 ـ بيئة الأمن الداخلي: أجهزة استخباراتية
ترفع الحكومات الأوروبية حالة التأهب الأمني بشكل مستمر، لكن الأجهزة تعاني من:
- كثافة الملفات الأمنية المتزامنة.
- نقص الموارد البشرية المتخصصة.
- اتساع التهديدات الرقمية والهجينة.
- الاحتقان الاجتماعي المتصاعد داخل المدن الكبرى.
يثير ذلك مخاوف من فجوات رقابية قد تستغلها التنظيمات المتطرفة.
التقييم العام للمؤشر 2025
تشير القراءة الشاملة إلى أن التهديد الإرهابي في أوروبا لم يعد محصورًا في الإسلاموي أو اليمين المتطرف أو روسيا، بل أصبح “مجمّعًا تفاعليًا” يرتبط بعوامل سياسية وعسكرية واقتصادية.
ويخلُص التقييم إلى أربع نقاط محورية:
- استمرار الخطر الإسلاموي ولكن بصيغة هجمات فردية ذات أثر رمزي.
- صعود اليمين المتطرف ليصبح التهديد الداخلي الأكثر قدرة على زعزعة الاستقرار.
- الحرب الأوكرانية تشكّل مصدرًا دائمًا لإنتاج تهديدات هجينة، قد تصل إلى الداخل الأوروبي.
- أجهزة الأمن الأوروبية تعمل تحت ضغط غير مسبوق، وقد تحتاج لإعادة هيكلة مواردها وسياساتها خلال 2025–2026.
أوروبا تدخل عام 2025 في أخطر مرحلة أمنية منذ 2015، لكن التهديدات اليوم أكثر تعقيدًا وأصعب في التنبؤ.
المطلوب ليس توسيع التشريعات فقط، بل معالجة جذور التطرف، تطوير قدرات المراقبة الرقمية، وتعزيز المناعة المجتمعية تجاه التضليل والاستقطاب.
ويؤكد المؤشر أن التعامل مع التهديدات الهجينة المرتبطة بالحرب الأوكرانية يجب أن يصبح أولوية استراتيجية إلى جانب مكافحة التطرف التقليدي.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
