صدفة محمد محمود
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تكشف التحركات العسكرية الأمريكية في البحر الكاريبي عن توجه جديد يتجاوز مجرد “مكافحة المخدرات”، ليعكس رغبة واشنطن في إعادة تثبيت نفوذها في النصف الغربي من العالم. فعملية “الرمح الجنوبي” لا تبدو مجرد حملة أمنية، بل إطاراً سياسياً يسمح للولايات المتحدة بربط تجارة المخدرات بالإرهاب، وبالتالي تبرير استخدام قوة عسكرية أكبر خارج حدودها. ويشير إرسال حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” وعدد من السفن الحربية إلى أن واشنطن تريد إظهار قوة واضحة ورسالة ردع في محيط فنزويلا، في خطوة تُعيد إلى الأذهان ممارسات التدخل التي اتبعتها خلال الحرب الباردة. كما أن تفويض وكالة الاستخبارات المركزية بتنفيذ عمليات سرية، وطلب وضع خطط لاستخدام القوة ضد شبكات المخدرات في فنزويلا، يكشف أن الولايات المتحدة تُبقي الباب مفتوحاً أمام تصعيد محتمل ضد الحكومة الفنزويلية نفسها، وليس ضد المهربين فقط.
أهداف متعددة
هناك مجموعة من الأهداف التي قد تسعى إدارة الرئيس “دونالد ترامب” إلى تحقيقها من تكثيف حشدها العسكري في البحر الكاريبي، وتصعيد تهديداتها لفنزويلا، ومنها:
1- محاصرة عصابات المخدرات الفنزويلية: يتمثل الهدف المعلن للتحركات العسكرية الأمريكية في الكاريبي في الضغط على عصابات المخدرات الفنزويلية. حيث أخبرت إدارة ترامب الكونجرس بأن الولايات المتحدة الآن في “صراع مسلح” ضد عصابات المخدرات، بدءاً من أول ضربة لها في 2 سبتمبر 2025 واصفة القتلى بأنهم “مقاتلون غير شرعيين”. وسرعان ما توسع نطاق الضربات من البحر الكاريبي إلى شرق المحيط الهادئ. مع ذلك، يُجادل بعض أعضاء الكونجرس وكذلك خبراء قانونيون دوليون وشخصيات حقوقية بأن هذه الضربات “غير قانونية” وأن المهربين المحتملين يجب ملاحقتهم قضائياً، في ظل عدم تقديم إدارة ترامب أدلة علنية على وجود مخدرات على القوارب التي تم ضربها، ولا على ارتباطها بعصابات المخدرات.
2- تغيير النظام الفنزويلي الحاكم: لا تعتبر الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” (الذي يحكم منذ عام 2013) رئيساً شرعياً، وقد خصصت مكافأة قدرها (50) مليون دولار لمن يُدلي بمعلومات تساعد في القبض عليه، نظراً لعلاقاته المزعومة بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة. وقد صرح ترامب بأنه يعتقد أن أيام مادورو في السلطة معدودة. لهذا، يعتقد مراقبون أن نشر فورد إشارة إلى نية ترامب تنفيذ استراتيجية تغيير النظام للإطاحة بمادورو، في ظل وجود شخصيات نافذة داخل الإدارة الأمريكية داعمة لهذه الاستراتيجية، خاصة وزير الخارجية “ماركو روبيو”.
3- السيطرة على النفط الفنزويلي: تزعم الحكومة الفنزويلية أن التحركات العسكرية الأمريكية في الكاريبي ما هي إلا ذريعة للسيطرة على ثروات البلاد التي تحتفظ بأكبر احتياطيات نفطية في العالم. وتُشير تقارير إلى سعي إدارة ترامب للحصول على عقود تفضيلية للشركات الأمريكية، وتحويل تدفق صادرات النفط الفنزويلية من الصين إلى الولايات المتحدة، وتقليص عقود الطاقة والتعدين الفنزويلية مع الشركات الصينية والروسية والإيرانية.
4- تصعيد الضغوط على دول أمريكا اللاتينية: يُمكن النظر لتحركات واشنطن العسكرية في الكاريبي كإشارة تحذير مبطنة إلى بعض دول المنطقة التي تعتقد إدارة ترامب أنها لا تفعل ما يكفي لمواجهة العصابات الإجرامية. حيث رفضت الولايات المتحدة مؤخراً التصديق على كولومبيا كحليف في الحرب على المخدرات للمرة الأولى منذ عام 1997، وفرضت عقوبات على رئيسها “غوستافو بيترو” لدوره المزعوم في تجارة المخدرات. وفي مواجهة الضغوط الأمريكية، أكدت رئيسة المكسيك “كلوديا شينباوم” تطلع بلادها إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية الأمريكية للسماح للقوات المكسيكية باعتراض واعتقال مهربي المخدرات المزعومين في البحر، بدلاً من قتلهم.
5- زيادة النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية: أثبت الرئيس ترامب استعداده لاستخدام القدرات العسكرية الأمريكية البحرية لتحقيق أهدافه الجيوسياسية. ومن المرجح أن يكون الحشد العسكري في الكاريبي إشارةً من ترامب إلى الرأي العام الأمريكي واللاتيني بالتزام إدارته بوقف تجارة المخدرات، وحماية حدود بلاده، وإعادة تشكيل منطقة أمريكا اللاتينية وفقاً للرؤية الأمريكية، وكذلك إعادة تأكيد النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي.
محددات التدخل المباشر
يمكن أن يكون اتخاذ الإدارة الأمريكية قراراً بالتدخل العسكري المباشر في فنزويلا محكوماً بعدة عوامل، منها:
1- موازنة الخيارات العسكرية الأمريكية: تركز الولايات المتحدة حالياً على ضرب العصابات الإجرامية بهدف إبطاء تدفق المخدرات إلى الداخل الأمريكي، وفي الوقت نفسه توجيه رسالة مبطّنة لنظام مادورو بأن واشنطن تملك القدرة على استخدام القوة إذا أرادت. ويمنح هذا الأسلوب الولايات المتحدة هامشاً واسعاً للحركة؛ فهي تستطيع تنفيذ ضربة واحدة أو عدة ضربات ضد العصابات ثم الانسحاب سريعاً، مع الادعاء بأنها ألحقت أذى ملموساً بأنشطتهم دون الدخول في مواجهة طويلة. أما استهداف مواقع تابعة لحكومة مادورو فسيُغيّر المعادلة تماماً، لأنه يعني أن واشنطن انتقلت من “محاربة العصابات” إلى “السعي لتغيير النظام”. وفي هذه الحالة، لن يكون الانسحاب السريع خياراً متاحاً، بل ستكون الولايات المتحدة مضطرة إلى إطلاق حملة جوية واسعة وممتدة تهدف إلى إضعاف نظام مادورو وزعزعة استقراره. والتاريخ يوضح أن الضربات الجوية وحدها لا تحقق النصر عادة، إلا إذا ترافق معها وجود بري أو خطة واضحة على الأرض.
2- قيود الداخل الأمريكي: صنف البيت الأبيض “ترين دي أراغوا”، وهي منظمة إجرامية من أصل فنزويلي لها صلات مزعومة بمادورو كمنظمة إرهابية أجنبية، لتوفير ذريعة قانونية لضرب فنزويلا تحت رعاية مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، فإن القوات الأمريكية الموجودة حالياً بالقرب من فنزويلا (تتراوح ما بين 16-15 ألف فرد) لن تكون كافية بمفردها للغزو البري أو الإنزال البرمائي. وسيتطلب هذا 50 ألف جندي أمريكي أو أكثر، نظراً لمساحة فنزويلا وتنوعها الديموغرافي. وربما يتطلب هذا تفويضاً صريحاً من الكونجرس. ولعل هذا ما يفسر، ولو بشكل جزئي، محاولة ترامب لإبقاء حيز للحلول السياسية للأزمة؛ حيث أشار، يوم 16 نوفمبر 2025، إلى أن واشنطن قد تجري بعض المناقشات مع الرئيس الفنزويلي “مادورو”.
3- نوعية الدعم الروسي لنظام مادورو: أفادت تقارير بتواصل مادورو مع روسيا، طالباً أنظمة وقطع صواريخ أرض-جو. وزعمت بعض التقارير أن طائرة شحن روسية وصلت إلى فنزويلا مؤخراً، ورجحت التقارير أنها كانت إمدادات عسكرية. ومع ذلك، فإن روسيا قد تكتفي بإدانة واشنطن ودعم كاراكاس من خلال خطابها السياسي. وربما مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع فنزويلا، لكن سيكون من المستبعد إرسال قوات روسية للدفاع عن كاراكاس وزعيمها مادورو، خشية إثارة حفيظة ترامب الذي سعى مؤخراً إلى الانفتاح على روسيا.
4- قدرة دول أمريكا اللاتينية على اتخاذ موقف مشترك: أثار التصعيد العسكري الأمريكي ردود فعل ناقدة من قبل حكومتي كولومبيا والبرازيل. وعلقت الحكومة الكولومبية تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة. بينما أكد رئيس البرازيل “لولا دا سيلفا” أنه لا يريد أن يرى “غزوا برياً”. وقال: “أخبرت الرئيس ترامب أن المشاكل السياسية لا تُحل بالبنادق. بل يتم حلها بالحوار”، مع عرضه التوسط في الأزمة. ومع ذلك، من غير المرجح أن تتخذ بلدان المنطقة موقفاً مشتركاً من الأوضاع الراهنة، في ظل الانقسامات السياسية بين قادتها وتباين الموقف من الرئيس الفنزويلي.
تداعيات محتملة
يمكن أن يكون للتدخل العسكري الأمريكي المباشر في فنزويلا تداعيات مهمة، من بينها:
1- إحداث فوضى داخلية في فنزويلا: قد تتسبب محاولة الإطاحة بمادورو في إشعال فتيل الحرب الأهلية وإثارة الاضطرابات في فنزويلا، في ظل الغموض بشأن مدى استعداد المعارضة الفنزويلية لملء فراغ القيادة في أعقاب رحيل “مادورو”. حيث قد يبرز أحد الموالين له خلفاً له ويواصل سياسات مادورو، أو ربما يتمكن الجيش من الاستيلاء على السلطة. ورغم محدودية القدرات العسكرية الفنزويلية وضعف تجهيزها مقارنة بنظيرتها الأمريكية، فإن حكومة فنزويلا تخطط لشن حرب عصابات من الأدغال الكثيفة وسلاسل الجبال، في حالة وقوع هجوم جوي أو بري أمريكي.
2- تفاقم مشكلة الهجرة غير الشرعية: ستكون الدول المجاورة لفنزويلا معرضة لخطر زعزعة الاستقرار لأنها مضطرة للتعامل مع تدفق اللاجئين إلى بلدانها. ومن المرجح أن يزيد عدم الاستقرار في فنزويلا من عدد المهاجرين الفارين إلى أمريكا الشمالية، مما سيقوض جهود إدارة ترامب للتصدي لمشكلة الهجرة غير الشرعية.
3- زعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي: بسبب امتلاك فنزويلا حدوداً برية واسعة مع كولومبيا والبرازيل وغيانا، إلى جانب حدود بحرية ممتدة في الكاريبي، فإن أي صراع عسكري داخلها قد يتحول سريعاً إلى حالة من الفوضى تمتد خارج حدودها. وفي مثل هذا المشهد المضطرب، قد تجد عصابات المخدرات فرصة لتوسيع نفوذها وتحريك عملياتها بسهولة أكبر، كما قد تنجذب الجماعات المسلحة في الدول المجاورة إلى الداخل الفنزويلي بحثاً عن ملاذات آمنة، وهو ما سيزيد من حدة الاضطراب ويُضيف أعباء أمنية جديدة على المنطقة بأكملها.
4- تهديد المصالح الأمريكية: سيؤدي التدخل العسكري الأمريكي المباشر في فنزويلا إلى تعميق حالة الاستياء الشعبي وتشجيع المقاومة المحلية ضد القوات الأمريكية أو القيادات السياسية المحلية المدعومة من واشنطن، بالنظر لما لدى شعوب أمريكا اللاتينية من تاريخ طويل من الاستياء العميق من التدخلات العسكرية الأمريكية المتكررة في المنطقة. ويمكن لخصوم واشنطن مثل الصين وروسيا، وكلاهما له علاقات قوية مع نظام مادورو، دعم وكلائهم كوسيلة لتعزيز نفوذهم في فنزويلا وإثارة الاضطرابات في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. وفي حال هاجمت واشنطن فنزويلا، فقد يتم استهداف السياح ورجال الأعمال الأمريكيين في منطقة أمريكا اللاتينية، وكذلك منصات الطاقة في الكاريبي. وقد حذر مادورو مؤخراً من أن التدخل العسكري الأمريكي يمكن أن يضع الأساس لما وصفه بـ”غزة أخرى” أو “أفغانستان جديدة” أو “فيتنام أخرى”.
ختاماً، تبدو الولايات المتحدة قادرة عسكرياً على تنفيذ ضربات جوية أو صاروخية داخل فنزويلا في أي وقت، لكن هذا لا يعني أن الحرب أصبحت خياراً حتمياً، وخاصة مع تصريحات ترامب الأخيرة حول إمكانية التفاوض مع الرئيس الفنزويلي. وحتى إذا قررت إدارة ترامب استهداف نظام مادورو بشكل مباشر، فإنها ستواجه عقبات سياسية داخلية، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من مؤيدي ترامب يعارضون أي تورط عسكري خارجي جديد. كما أن الانقسام الحاد داخل المعارضة الفنزويلية يجعل من غير المؤكد أن يؤدي الضغط العسكري إلى انتقال مستقر للسلطة. وفي حال حدوث تصعيد، فمن المرجح أن تبدأ واشنطن بضربات محدودة تستهدف مواقع حساسة مثل الموانئ أو مدارج الطائرات المرتبطة بشبكات التهريب، بهدف اختبار رد الفعل قبل الانتقال إلى مرحلة أكبر. ومع ذلك، يبقى الكثير من الغموض قائماً: هل سيتراجع نظام مادورو بالفعل؟ وهل تمتلك المعارضة القدرة على إدارة البلاد إذا انهار النظام؟ وإذا لم يتحقق ذلك، فقد تجد إدارة ترامب نفسها أمام تدخل طويل ومكلف، وهو السيناريو الذي كانت تسعى إلى تجنّبه منذ البداية.
انترريجرنال للتحليلات الاستراتيجية
