الخميس. فبراير 5th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 56 Second

ربا رباعي -الاردن

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_يعدّ مؤنس الرزّاز واحدًا من أكثر الأصوات الروائيّة العربية انشغالًا بمساءلة الإنسان، وتفكيك المسكوت عنه، وتوسيع حدود الكتابة الروائية لتغدو فضاءً يتقاطع فيه السرديّ بالفلسفي، والسياسي باليومي، والواقعي بالمتخيَّل. وقد أتاحت له حساسيته الفكرية وجرأته الأسلوبية أن يجعل من نصوصه مختبرًا حيًّا لتجريب أشكالٍ متعدّدة من الكتابة، فيغدو النصّ عنده نقطة التقاء بين الرواية والمقال والتأمل الشخصي والكتابة الوجودية.
أولًا: التعريف بالكاتب
وُلِد مؤنس سعيد الرزّاز (1951–2002) في السلط بالأردن، وهو ابن المفكّر والسياسي البارز سعيد الرزّاز. درس الفلسفة في بغداد ثم في جامعة لندن، لتنعكس هذه الخلفية الفكرية العميقة على مشروعه الأدبي. اشتغل بالعمل الثقافي والصحافي، وكتب الرواية والمقال والفكر، وصار، مع منتصف الثمانينيات، أحد أبرز وجوه الحداثة السرديّة في الأردن والعالم العربي.
من أشهر أعماله:اعترافات كاتم صوت
أحياء في البحر الميّت
جنة الشوك
مذكرات رجل غير مهم
متاهة الأعراب في ناطحات السراب
اندفاعات
وقد عُرف بقدرته على تحويل التجربة الفردية إلى سؤالٍ إنسانيّ مفتوح، وبانحيازه إلى الحرية والعدالة، وبتوغّله الجريء في نقد البُنى الاجتماعيّة والسياسيّة.
ثانيًا: ملامح أسلوب مؤنس الرزّاز

  1. لغة عالية التوتّر، مشحونة بالفلسفة
    لغة الرزّاز ليست لغة رواية تقليدية، بل كتابة ذات إيقاع داخلي، تنزع نحو التأمل. يقول في اعترافات كاتم صوت:
    «نحن لا نموت حين نتوقّف عن الحياة، بل حين نتوقّف عن الحلم.»
    هذه الجملة تكثّف فلسفته الوجودية، وتكشف لغته الشاعريّة المشبعة بالأسئلة الكبرى.
  2. هيمنة الصوت الداخلي
    يتّخذ السارد في معظم أعماله شكل “الوعي المتحدث”، حيث تتلاحم فكرة الرواية مع النص التأمليّ. يقول في مذكرات رجل غير مهم:
    «كنتُ أكتب على أمل أن أنقذني الكلام منّي، فإذا بالكلام يزيدني انكشافًا.»
    هنا يتداخل الاعتراف الشخصي مع الدفق السردي.
  3. كسر الشكل التقليدي للرواية
    الرزّاز يكتب رواياته على هيئة مقاطع، يوميات، رسائل، أو “تدوينات”؛ ما يجسّد رفضه لصرامة البناء الكلاسيكي. أعماله ليست حكايات خطّية بل فسيفساء من الأصوات.
  4. المزج بين السخرية والمرارة
    سخريته لاذعة، ولكنها ليست التهكّم السطحي، بل السخرية التي تفضح العبث السياسي. في متاهة الأعراب:
    «نحن أمةٌ تبحث عن البوصلة، لكنها تصرّ على السير في الاتجاه المعاكس.»
    ثالثًا: تداخل الأنواع الأدبيّة في نصوصه
  5. التداخل بين الرواية والفلسفة
    الفلسفة ليست خلفية للنصّ عند الرزّاز، بل بنيةٌ داخليّة. فهو يطرح الأسئلة الكبرى داخل السرد، فيتحوّل الحوار الروائي إلى حوار فكري.
    في أحياء في البحر الميت، يكتب:
    «المشكلة ليست في القيود التي يفرضها الطغاة، بل في القيود التي نقبلها نحن تحت وهم النجاة.»
    ذلك المزج بين السرد والتحليل السياسي–الفلسفي يمنح النص طابعًا هجينيًا.
  6. تمازج المقال السياسي مع السرد الروائي
    يُدخل الرزّاز المقولات السياسية داخل الرواية، دون أن تتحوّل إلى خطاب مباشر، بل تتسلل عبر شخصيات تبحث عن معنى وجودها.
    في جنة الشوك، نقرأ:
    «لا شيء أشدّ وطأة من وطن يريدك أن تكون غيرك كي تظلّ فيه.»
    هنا يتداخل المقال السياسي مع صوت الشخصية.
  7. الاشتغال على البعد النفسي–الاعترافي
    كثير من رواياته يمكن قراءتها كـ”كتابة اعترافية”، وهي منطقة تقع بين المذكرات والرواية والسيرة الذاتية.
    يقول في اعترافات كاتم صوت:
    «أكتب لأن الصمت يضيق بي، ولأن الكلام نافذة لا بدّ لها أن تُفتح مهما كلّف الأمر.»
    هذا المزج بين البوح الشخصي والشكل الروائي يمنح كتابته طابعًا إنسانيًا مؤلمًا.
  8. تداخل السردي بالشعري
    لا تخلو نصوصه من نبرة شعرية عالية. في اندفاعات مثلًا، يكتب:
    «هناك لحظاتٌ تشعر فيها أن قلبك يرفّ مثل جناح، وأن العالم يمكن أن يُعاد صياغته بكلمة.»
    هذا الانزياح اللغوي يجعل نثره يحمل روح الشعر.
    رابعًا: دلالة هذا التداخل
    إن تداخل الأنواع الأدبية في أدب مؤنس الرزّاز ليس مجرّد تقنية فنية، بل هو تعبير عن رؤيته للكتابة كفعل مقاومة، وكسر، وتجاوز. فالعالم العربي الذي عاشه الرزّاز كان عالمًا خانقًا، يتصدّع فيه المعنى. لذلك احتاجت كتابته إلى شكلٍ يوازي هذا التشظي، فكانت هجينة، واسعة، غير قابلة للتصنيف.
    هذا الهجين الفني يسهم في:
    تحرير الرواية من جمودها وإدخالها في منطقة السؤال الفلسفي.
    كشف القمع السياسي بطريقة جمالية غير مباشرة.
    إعادة الإنسان إلى مركز السرد باعتباره كائنًا يبحث عن الحرية.
    خاتمة
    يقف مؤنس الرزّاز اليوم كأحد أبرز كتّاب الهُجنة السردية في الأدب العربي الحديث. فقد مزج الرواية بالفلسفة والمقال واليوميّ والاعتراف، ليمنح النص العربي صوتًا جديدًا يملك قدرة نادرة على جعل القارئ شريكًا في التفكير، لا مجرّد متلقٍّ للحكاية.
    إن نصوصه لا تُقرأ من أجل المتعة فحسب، بل من أجل اكتشاف الذات والعالم معًا، في مرايا لامعة من اللغة والأسئلة.
    المراجع والمصادر المقترحة
    مؤنس الرزّاز، اعترافات كاتم صوت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
    مؤنس الرزّاز، أحياء في البحر الميت، دار الآداب.
    مؤنس الرزّاز، جنة الشوك، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
    مؤنس الرزّاز، مذكرات رجل غير مهم، دار أزمنة.
    محمد شاهين، الخطاب الروائي في الأردن، دراسة نقدية.
    فيصل درّاج، الرواية العربية وأسئلة الحداثة.
    نبيل سليمان، تحوّلات السرد العربي المعاصر.
    شبكة  المدارالإعلامية الأوروبية…_
Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code