بقلم: أحمد سليمان أبكر
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_غارت الشمس، تحوّل لونها الأبيض المتوهج إلى لون قاتم بعد أن فقدت أشعتها ووهجها، كما لو أنها خبت بعد أن صرعها الموت عند ملامسة الظلام الذي احتضن بنايات المدينة. حان وقت عودته إلى صغاره بما كسبه من جهد يوم شاق، سار في الظلام وهو يتعثّر مرة بعد مرة في اضطراب وقلق. وصل إلى المنزل المتهالك الذي يقيم فيه مع آخرين. أُعد طعام الغداء المتأخر بعد ربع ساعة من وصوله، تحلّق مع صغاره حول إناء حوى شيئًا ساخنًا، انبعثت منه على نحو أوقف في نفوس الصغار رائحة هي أبعد ما تكون عن إثارة الشهوة إلى الطعام، ولم يكد بخار ذلك الطعام تصافح خياشيمهم حتى لمح إمارات الاستياء الشامل على وجوههم، نظر إليهم نظرة شابها الحزن والألم، أخفى قلقه من السوداوية المباشرة التي لوّنت وجوههم، بدا شبه مقتنع من أن هذه السوداوية ستأثر عليهم عاجلًا أم آجلًا وقد تخوّف من تناميها فيهم.
السكون وظلمة الخارج أيقظا أنوارًا وأصواتًا داخله، دفعته نحو الفرار إلى الذكريات بعد أن سدت الأمل مخاطر الغد, وقف قرب النافذة، أطلّ برأسه خارجها، رفع بصره، عبر الفضاء، تداعت السّماء على على رأسه، بدت النجوم متلألأة قريبة، وامضة، حية نابضة في متناول اليد، لامسه الإحساس بأنه على موعد مع ما هو مصيري، موعد سداد إجار الغرفة، خفض بصره، أصاب ذهنه ما يشبه الرّكود، جهل المكان الموجود فيه، تحرّكت أعضاء جسمه بمشقة نحو فراشه الحقير، جلس ساهمًا، افتقر إلى الكلمات والذكريات، حتى اسمه هرب منه في تلك اللحظة، بدا كجثة غريق على حافة شاطيء انخفض المد فيه، بقى على هذه الحال لمدة غير محدّدة، ظل وعيًا مدركًا أنه موجود لكنه مفرغ من المحتوى، عادت إليه هويته بعد جهد ولاي، انتظمت أنفاسه الطبيعية، اندمج مع جسده المدفون في الأرق والتعب، فتح فاه لا إراديًا لتسهيل إخراج دوي التنهيدات المتكررة، وقد تملّكه انطباع بأن دماغه على وشك الانفجار.
أخذت أم صغاره تتأمل صمته العميق، اعتقد أن في صمته شرحًا لكل تساؤلاتها، فهو لا يريد أن يبوح بالذي يشغل باله، وأن ما يتقاذفه من هموم يتطلب هذا الصمت الذي يعبّر عن عظمة تليق بما ينتظره، وأنه لا يستطيع أن يغادر هذا القلق الذي أثاره فيه مبلغ سداد إجار الغرفة. أحس بمزيد من القلق والاضطراب، لأنه لم يستطع قراءة ما يدور في رأسها، وأن نظراتها فتحت رؤية جديدة للتفكير جعلته ينافقها بنظرات تطمين بأن كل شي على مايرام، ارتاح وجهها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة ظلت تكبر وتكبر، وظلت نظراته المنافقة لها تكبر هي الأخرى.
خلدت إلى النوم، شعر بشيءٍ من الضيق وتأنيب الضمير جراء منافقتها، وهي التي وجد بين جنبيها تلك النفس الطَّاهرة البريئة التي ما انفك يتحدَّث معها في كل شيءٍ من شئون الحياة دقيقها وجليلها، ويُفضي إليها بكل خبيئة من خبايا نفسه، إلا هذا الهم الأخير الذي أخذ يُعالجه في أطواء نفسه وأعماقها، ويكابد منه ما يقلق مضجعه ويصل ليله بنهاره؛ ماذا سيكون المصير إذا لم يُسدد مبلغ إجار الغرفة الذي تضاعف مرتين في بحر أسبوعين، تلك الغرفة الحقيرة التي يقطنها مع أسرته منذ أن ألقت بهم الحرب في أتون حجيم المدينة، حاول أن يفكر بأشياء أخرى، فكّر في أن ينتقل مع أسرته إلى العراء في أطراف المدينة بدلًا من أن يتعرّضوا لوعيد وتهديد وتجريح، مالك المنزل في صباح الغد.
صاحب المنزل المتهالك في السادسة والأربعين من عمره، قوى البنية، ذو أوصال صلبة، متوسط الطول، غير بدين برغم ما يتصف به جسمه من امتلاء، ذو وجه عريض بعض الشيء، وتحت حاجبيه الكثين تلتمع عينان تعوزهما الشفقة والرحمة. مدبر دقيق بارع، يخضع كل مستأجري منزله، وجميع موظفي المجلس البلدي لسيطرته الكاملة، وقد تعلّقوا بأهداب اللطف معه وخضعوا له، ومضى هو على هواه، دون أن يستشعر ردعًا من أحد. أما المنزل فيستحيل أن يجد قاطنوه خيالًا يستوعب حاله ومآله، فقط يمكنهم القول: أنه لشيء مبهج أنهم لا زالوا على قيد الحياة.
أوشكت شمس اليوم الأخير للسداد على المغيب، أخذ طريق عودته إلى صغاره وهو هائم على وجهه خالي الوفاض، خالجه شعور غريب، رفع رأسه، لمح غبارًا يتعالى في نهاية الزقاق حيث يقع المنزل الذي يقيم فيه مع أسرته، هرع إلى هناك، وجد المنزل قد انهار وقبر كل من فيه تحت الأنقاض. دخل في برزخ بين عالم الواقع ومملكة الخيال، قوامها الهلاوس والارتياب، أُجّبر على الاعتماد على مصادر خارجية ليتمكن من تجميع بعض تفاصيل الزمن المفقود من ذاكرته، لم يتمكن من استعادة أية ذكرى متعلقة بالحادثة أو الحوداث التي تبعتها، كانت هذه اللحظة هي أول فجوة حقيقية في ذاكرته. حُظي بلحظة محدودة من صفاء الذهن، حدد الخط الفاصل بين سلامته العقلية وجنونه، استعاد وعيه، كان أول شيء وقع عليه نظره هو رجل مقيد إلى سرير حديدي متين على بعد قدمين منه في عنبر مشفى ساطع الإضاءة. خرج يتفقّد المكان، كمقيم فيه وجزء أصيل منه، وليس عابرًا متطفلًا. وقد أعجبه الإحساس بالانتماء، وهو يقول في نفسه ليته يستطيع البقاء في هذا المكان إلى الأبد.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
