الخميس. فبراير 5th, 2026
0 0
Read Time:4 Minute, 25 Second

(( مكتب مالطا ))

شبكة  المدارالإعلامية الأوروبية…_في لحظات التحوّل الكبرى التي تمر بها الدول، لا يكون الصراع الحقيقي حول الأشخاص بقدر ما يكون حول الأفكار والمسارات. وحين يُستهدف مسار الإصلاح داخل مؤسسة ما، فإن الخسارة لا تُقاس بعدد الأسماء التي تُقصى، بل بحجم الفرص التي تُهدر، وبمقدار ما يُصاب به مفهوم الدولة نفسه من تشويه وارتباك.

من هذا المنطلق، تبرز مقولة “البناء قيمة… لا تهمة” ليس كشعار إنشائي، بل كخلاصة تجربة مؤسسية ليبية في الخارج، وتحديدًا في مالطا، حيث يقف معهد تاجورني مثالًا حيًا على كيفية تحوّل العمل الجاد إلى موضع مساءلة، بدل أن يكون محل تقدير ودعم.

المؤسسة كقيمة وطنية لا كموقع إداري

ما يحدث اليوم من حملات تشويه أو محاولات إقصاء تطال إدارات اختارت طريق العمل والبناء، يفتح باب تساؤل مشروع:
هل أصبح الإصلاح عبئًا؟
وهل صار البناء سببًا للمحاسبة بدل أن يكون مدخلًا للتكريم؟

هذا السؤال لا يُطرح في فراغ، بل في سياق تجربة مؤسسية واضحة المعالم، تعاملت مع المؤسسة الليبية في الخارج بوصفها قيمة وطنية سيادية، لا موقعًا إداريًا مؤقتًا، ولا مساحة قابلة للإهمال أو الاستنزاف. فالمؤسسات الخارجية ليست مجرد مرافق خدمية، بل واجهات للدولة، تعكس وعيها بذاتها، واحترامها لتاريخها، وقدرتها على إدارة حضورها خارج حدودها.

الجذور التاريخية: التأسيس والرؤية الأولى

تأسس **معهد تاجورني في جمهورية مالطا في الستينيات من القرن الماضي
من قبل الحكومة المالطية
في مرحلة كانت فيها ليبيا تخوض تجربة بناء الدولة الحديثة، وتولي اهتمامًا خاصًا بالتعليم التقني والمهني باعتباره ركيزة أساسية للتنمية وبناء الإنسان. لم يكن إنشاء المعهد آنذاك خطوة عشوائية، بل جزءًا من تصور استراتيجي يرى في التكوين العلمي أداة لإعداد كوادر قادرة على تلبية احتياجات الدولة ومواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

ومع نهاية سبعينيات القرن الماضي، وبموجب اتفاق رسمي وُقّع عام1976 مع الحكومة المالطية، انتقل المعهد إلى الإشراف الليبي الكامل، ليحمل اسم ليبيا خارج حدودها، ويجسّد حضورها التعليمي والمؤسسي في واحدة من أهم الساحات المتوسطية للتعليم والتكوين.

الدور التعليمي والتحولات المتعاقبة

على مدى سنواته الأولى، لعب المعهد دورًا محوريًا في تخريج دفعات من حملة الدبلومات العليا، وتنفيذ برامج تدريب تخصصية، إلى جانب تنظيم دورات مكثفة في اللغة الإنجليزية، انطلاقًا من قناعة مبكرة بأن اللغة ليست ترفًا ثقافيًا، بل أداة تمكين ومعبرًا أساسيًا للمعرفة والانفتاح.

ومع التحولات التي شهدها قطاع التعليم والتكوين في تسعينيات القرن الماضي، دخل المعهد مرحلة إعادة تنظيم، توسعت خلالها التخصصات، وتطورت الورش، وأُعيد توجيه البرامج لتواكب الحاجات الوطنية، بإشراف كفاءات مهنية وبشراكات أكاديمية مع مؤسسات تعليمية مالطية.

ثم جاء العقد الثاني من الألفية ليضع المعهد أمام خيار حاسم:
إما الجمود داخل نموذج تقليدي استهلكته السنوات،
أو إعادة تعريف الدور والانفتاح على نموذج تعليمي أكثر حداثة.

فتم تحديث الأطر القانونية والتنظيمية، وتوسيع نطاق النشاط، وفتح المجال أمام استقطاب طلبة من جنسيات مختلفة، ليتحوّل المعهد تدريجيًا إلى منصة تعليم دولية تحافظ على هويتها الليبية، وتبني جسورًا معرفية وثقافية مع محيطها الأوروبي والمتوسطي.

سنوات الإهمال وخطر التآكل

غير أن هذا التاريخ، بكل ما يحمله من قيمة، لم يكن بمنأى عن الإهمال. فقد مرّت سنوات صعبة تراجعت فيها البنية التحتية، واهترأت المرافق، وتقلّص الدور التعليمي والثقافي، حتى بدا المعهد مهددًا بأن يتحوّل إلى مجرد ذكرى، أو أصل وطني قابل للفقدان، كما حدث مع غيره من المؤسسات الليبية في الخارج.

هذه المرحلة كشفت حقيقة مؤلمة: أن الإهمال لا يُدمّر المؤسسات فجأة، بل يُفرغها تدريجيًا من معناها، حتى تصبح عبئًا بدل أن تكون قيمة.

من الإهمال إلى إعادة البناء المؤسسي

خلال فترة زمنية محدودة، شهد معهد تاجورني عملية إعادة بناء شاملة لم تقتصر على المظهر الخارجي، بل طالت الجوهر والبنية الأساسية. أُعيد تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ورُممت الطرق الداخلية، وأُعيد تنظيم الفضاءات التعليمية والإدارية وفق رؤية حديثة تحترم الوظيفة والجمال معًا.

كما جرى إحياء المساحات الخارجية بالكامل، وتحويلها إلى بيئة تعليمية وثقافية حية، مع تجهيز مرافق سكنية وخدمية وترفيهية متكاملة للطلبة والعاملين، إلى جانب إنشاء مكتبة عربية–إنجليزية، ومركز متكامل للفنون، ومدرسة دولية تعتمد النظام البريطاني، فضلًا عن تطوير المدرسة الليبية القائمة.

لم يكن هذا العمل تجميلًا شكليًا أو إنجازًا استعراضيًا، بل جهدًا مؤسسيًا واعيًا أعاد للمكان روحه ووظيفته، وحماه من مصير الإهمال والتآكل.

درس التجربة الليبية في الخارج

إن تجربة معهد تاجورني لا يمكن فصلها عن تجارب أخرى لمؤسسات ليبية في الخارج انتهت إلى التلاشي، ومن أبرزها المركز الثقافي الليبي في مالطا، الذي تأسس في سبعينيات القرن الماضي، وكان يشغل مبنيين تاريخيين في فاليتا وسليما، قبل أن يتقلّص اليوم إلى مقر مغلق ومهمل نتيجة غياب الرؤية والاستمرارية المؤسسية.

هذه التجارب تؤكد حقيقة واحدة:
أن المؤسسات لا تسقط بسبب نقص الإمكانيات فقط، بل بسبب غياب الإرادة والوعي بقيمتها.

الخاتمة: البناء معيار لا يُدان

إن لحظة الاختبار الحقيقي للدول لا تكون في قدرتها على إطلاق الشعارات، بل في كيفية تعاملها مع من يعمل بصمت ويبني على الأرض. فالدول التي تحترم نفسها تحمي تجاربها الناجحة، وتراكم عليها، ولا تهدمها بدوافع آنية أو حسابات ضيقة.

إن الحفاظ على مؤسسات مثل معهد تاجورني، الذي يمتد تاريخه لأكثر من ستة عقود، ليس ترفًا إداريًا، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. فهذه المؤسسات ليست مباني صامتة، بل ذاكرة وطن، وصورة دولة، وجسر تواصل مع العالم.

ومن هذا المنطلق، فإن منح الثقة لمن أثبت قدرته على البناء هو استثمار في الاستقرار..
وسيكون لشبكة المدار الاعلامية مجموعة من المتابعات ولقاءات من داخل المركز لمسؤولين وموظفين في معهد تاجورني وتسليط مزيدا من الضوء علي نشاطه.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
100 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code