شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_ تتصدر مسألة البطالة واجهة النقاش الاقتصادي والاجتماعي في بلجيكا، خاصة في ظل الإصلاحات الأخيرة التي أطلقتها الحكومة بهدف خفض عدد العاطلين عن العمل وتعزيز الاندماج في سوق الشغل.
وبينما تسجل البلاد نسبة بطالة تبلغ 6.5%، أي أعلى بقليل من المتوسط الأوروبي، تطرح هذه الأرقام تساؤلات حول موقع بلجيكا مقارنة بدول الجوار، وحول مدى نجاعة السياسات المعتمدة لتحقيق توازن بين الحماية الاجتماعية وتحفيز التشغيل.
وبنسبة 6.5%، تتجاوز بلجيكا المتوسط الأوروبي المقدر بنحو 6%، ما يضعها في خانة وسطى داخل الاتحاد الأوروبي، فهي لا تُعد من الدول التي حققت نجاحات لافتة في تقليص البطالة، لكنها في الوقت ذاته بعيدة عن الدول التي تواجه أزمات حادة في هذا المجال.
ويعكس هذا الوضع مزيجًا من العوامل الاقتصادية والبنيوية، من بينها طبيعة سوق العمل، ومستوى التأهيل، وسياسات الدعم الاجتماعي.
وعند توسيع دائرة المقارنة إلى الدول الأوروبية المجاورة، تظهر فوارق واضحة في نسب البطالة، ففي شمال أوروبا، تسجل الدنمارك واحدة من أدنى النسب في القارة، عند حدود 2.9%، مستفيدة من نموذج يجمع بين المرونة في سوق العمل والاستثمار المكثف في التكوين والتأهيل.
أما هولندا، فتسجل نسبة بطالة تبلغ حوالي 4%، بينما تبلغ النسبة في النرويج 4.5%، وهي أرقام تعكس ديناميكية اقتصادية واستقرارًا نسبيًا في سوق الشغل.
في المقابل، تواجه دول أخرى أوضاعًا أكثر تعقيدًا، ففي السويد، ارتفعت نسبة البطالة إلى 8.2%، بينما تسجل فرنسا 7.7%، في ظل تحديات مرتبطة بإصلاح سوق العمل ووتيرة النمو الاقتصادي.
وتبقى إسبانيا من بين أكثر الدول الأوروبية تأثرًا، بنسبة بطالة تصل إلى 10%، نتيجة عوامل هيكلية مزمنة وتأثيرات أزمات اقتصادية متتالية.
ولا تقتصر المقارنة بين الدول الأوروبية على نسب البطالة فحسب، بل تمتد أيضًا إلى كيفية إدارة أنظمة إعانات البطالة، فقد شكلت بلجيكا لفترة طويلة حالة استثنائية داخل أوروبا، من خلال اعتمادها نظام إعانات غير محددة المدة، وهو ما جعلها محل انتقادات متكررة.
غير أن هذا الوضع تغير مؤخرًا مع إقرار حد أقصى صارم لا يتجاوز سنتين للاستفادة من إعانات البطالة، في إطار إصلاح يهدف إلى تشجيع العودة السريعة إلى سوق العمل.
ويُعد هذا القرار نقطة تحول بارزة في تاريخ نظام الضمان الاجتماعي البلجيكي.
وعند مقارنته بدول أخرى، يبدو هذا السقف الزمني أقل تشددًا من بعض النماذج الأوروبية، ففي إيطاليا، لا تتجاوز مدة الاستفادة من إعانات البطالة شهرًا وأسبوعين، بينما تقتصر في هولندا على ثلاثة أشهر فقط.
أما في فرنسا، فتختلف المدة حسب الوضعية المهنية وسنوات العمل السابقة، إذ تتراوح بين ستة أشهر وثمانية عشر شهرًا.
أما من حيث قيمة الإعانات، فتعتمد بلجيكا نظامًا متدرجًا، تبدأ فيه الإعانة بنسبة 65% من آخر راتب، ثم تنخفض تدريجيًا مع مرور الوقت.
ويهدف هذا النهج إلى خلق حافز قوي للبحث عن عمل وعدم الاعتماد طويل الأمد على الدعم الاجتماعي. غير أن هذا النظام يختلف عن الممارسات المعتمدة في دول أخرى.
في المملكة المتحدة، يحصل جميع المستفيدين على مبلغ ثابت، بغض النظر عن رواتبهم السابقة، بينما يتمتع العاطلون في الدنمارك بإعانات قد تصل إلى 90% من آخر أجر.
وفي فرنسا، تُحدد الإعانات بسقف أقصى لا يتجاوز 57% من الراتب السابق.
وتعكس هذه المقارنات تنوع النماذج الأوروبية في التعامل مع البطالة، بين دول تركز على السخاء الاجتماعي وأخرى تراهن على تشديد الشروط لتحفيز التشغيل.
وفي هذا السياق، تبدو بلجيكا أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في خفض نسبة البطالة وتحسين تنافسية سوق العمل، دون التفريط في أسس نموذجها الاجتماعي الذي طالما شكل أحد ركائز الاستقرار الاجتماعي في البلاد.
وكالات
