حسن محمد عبداللطيف -مدينة ودان -ليبيا
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_من قلب ودان الأصالة، ومن بين ظلال نخيلها الباسق، وفى عمق الصحراء الليبية، حيث تنبثق “ودان” كشاهدةٍ على الصمود والعطاء، لم يكن غريباً أن تنجب رجلاً بمقام الدكتور/ عبد السلام عقيل الحمروني. هو ليس مجرد جراحٍ متمكن نال أرفع الدرجات من بريطانيا، بل هو حكاية إنسان آمن بأن الطبَّ رسالةٌ سماوية، وأن العلمَ الذى لا ينفعُ الأهل والجيران هو علمٌ منقوصُ البركة.
بدأت حكايته من جامعة العرب الطبية بنغازي بعد تخرجه عام 1995 لحصوله على درجة البكالوريوس فى الطب، لتمتد آفاقها إلى أعرق الجامعات البريطانية، حيث نال درجة الدكتوراه فى الجراحة العامة وتخصص جراحة المناظير.
فى أروقة مستشفى العافية بهون، سطر الإستشاري الحمرونى، نجاحات منقطعة النظير كرئيس لقسم الجراحة العامة. حيث قاد فريقاً طبياً متكاملاً بروح القائد لا المدير، مقتحماً غرف العمليات المعقدة بقلب جسور وعلم غزير. وامتد أثره ليشمل مستشفى ودان العام، حيث أشرف على أفتتاح قسم العمليات هناك، مؤكداً أن الرعاية الصحية حق لكل مواطن فى كل شبر من الجفرة.
عندما داهمت جائحة كورونا الديار، تصدر المشهد رئيساً للجنة الطبية العليا، مواصلاً الليل بالنهار لحماية أهله لكن فصولها الأجمل كتبت فى أروقة مستشفى العافية بهون ومستشفى ودان العام. هناك، لم يكن الإستشارى عبد السلام مديراً يكتفي بالأوامر، بل كان جراحاً يقود كتيبة الأمل فى أصعب الظروف. ببراعةٍ نادرة، أفتتح أقسام العزل، وصال وجال فى غرف العمليات المعقدة، مقتحماً التحديات الطبية بروح الفارس الذى لا يهاب الصعاب، فكان صمام الأمان لأهله فى الجفرة حين تضيق بهم السبل.
لم يكتفِ الحمرونى بمداواة الجراح، بل أراد بناء الصروح. فوضع حجر الأساس لكلية الطب البشري بالجفرة، وكان عميدها الأول الذي صهر خبرته العالمية ليغرسها فى عقول أبناء منطقته. كان يرى فى طلابه أمتداداً لرسالته، فكان الأستاذ الحازم في علمه، والرحيم في نصحه، حريصاً على أن تخرج كليته جيلاً لا يحمل الشهادات فحسب، بل يحمل أخلاقيات الحكيم قبل مهارات الطبيب.
بعدما أنتهت جائحة كورونا لتكشف عن معدنه كجندى فى الخطوط الأمامية، لكن الأختبار الأخلاقي كان أصعب من الفيروس نفسه. حين تولى إدارة مستشفى العافية بهون، وجد نفسه محراب وأمام خيارين: إما الأنحناء لعواصف الجهوية والمناطقية الضيقة، أو الحفاظ على طهر مهنته. فما كان من “إبن السباخ” إلا أن لقنهم درساً فى العزة؛ سلمهم “مفاتيح الكراسي” وترفع عن الصغائر وخرج من معترك الإدارة مرفوع الرأس، ناصع البياض، تاركاً الكرسي لمن يلهثون خلف بريقه الزائف، وعاد إلى محرابه الطبي مفضلاً أن يظل جراحاً حراً على أن يكون مديراً مقيداً بالحسابات الضيقة، ليثبت أن “الختم” لا يصنع الرجال، بل من محبة الناس وثقتهم ومن أرواح المرضى التى أنقذها بفضل الله وسيبقى رمزاً للطبيب المخلص الخلوق الذى حارب التمييز بمهنيته، وأنتصر للوطن بأخلاقه، فأستحق أن يكون فخراً لودان وسيظل فى تاريخ الجفرة وودان كالنخلة التي تمنح ظلها للجميع دون تفريق، وكالجبل الذى لا تهزه رياح المصالح العابرة.
تجاوز عطاء الدكتور عبد السلام عقيل، غرف العمليات ليمتد إلى القاعات الدراسية واللجان العلمية. وبأعتباره مرجعاً طبياً موثوقاً، كلف بالإشراف كممتحن على أمتحانات طلبة الأمتياز النهائية في شقيها التحريري والسريري بالعديد من الجامعات الليبية. هناك، لم يكن مجرد ممتحن عابر، بل كان موجهاً يحرص على تخريج أجيال مسلحة بالعلم والأخلاق، ناقلاً إليهم المعايير العالمية التي تشربها خلال مسيرته الدولية، ليغرس في أطباء الغد أن الطب أمانة قبل أن يكون مهنة.
سيظل الدكتور عبد السلام عقيل، علماً فى سماء الطب، وجبلاً صامداً لا تهزه ريح المتغيرات. هو رجل أثبت أن الوطنية ليست مجرد شعار، بل هى مشرط جراح يداوي الجراح، وقلب نابض بحب الأرض. سر على نهجك يا دكتور، فعين الله ترعاك، ودعوات الأمهات والآباء فى ودان والجفرة هى رصيدك الباقى.
وكل عام وأنتم بخير.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
