د.صلاح محمد الشاردة- طرابلس الغرب ((ليبيا ))،
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_هناك لحظة لا تُدرّس … لحظة صامتة ، لا تُكتب في المناهج ، ولا يلتفت إليها أحد ، لكنها تحدث دائمًا : حين تُنزَع اللوحة من جدار القاعة ، وتُلقى في فضاءٍ لا يشبه شيئًا مما عرفته .
في قاعة الدرس ، كانت اللوحة محاطة بنوع من الطمأنينة . الضوء موزّع بعناية ، الملاحظات تأتي في وقتها ، والخطأ نفسه يبدو مقبولًا ، بل ضروريًا . هناك دائمًا عين تراقب ، تصحّح ، وتعيد توجيه المسار قبل أن ينكسر . حتى التردد ، كان له مكانه الآمن بين الزملاء ، بين أحاديث الألوان والفرش والظلال .. لكن خارج تلك القاعة … يتغير كل شيء .
تصبح اللوحة وحيدة . والفنان أكثر وحدة .
لا أحد يخبره إن كان ما يفعله خطوة إلى الأمام أم التفاف في الفراغ . لا ملاحظات ، لا تصحيحات ، لا عين خبيرة تقول له : هنا أخطأت ، وهنا اقتربت . فجأة ، يتحول اليقين الذي كان يسكن اليد إلى شك ، ويتحول الأسلوب الذي كان يتشكل بثقة إلى محاولة مرتبكة للنجاة .
ولهذا … لا يختفي الفنان بعد التخرج صدفة .
بل ينسحب بهدوء ، كما تنسحب الألوان من لوحة تُركت طويلًا تحت شمس قاسية .
في المشهد التشكيلي الليبي ، هذه اللحظة ليست فردية ، بل تكاد تكون قاعدة غير معلنة . كثير من الأسماء التي كانت لامعة داخل قاعات الدراسة ، تتلاشى خارجها .. لا لأنها أقل موهبة ، بل لأنها كانت تنمو داخل نظام مغلق ، يعتمد على وجود المعلم ، على الإيقاع الأكاديمي ، على ذلك التوازن الدقيق بين الحرية والتوجيه . وحين يسقط هذا التوازن …
تبدأ الحيرة . بعضهم يحاول أن يقلد ما تعلمه ، فيبقى أسير التمارين الأولى .. بعضهم يندفع نحو كل شيء ، فيفقد ملامحه بين الأساليب .
وبعضهم … يختار الصمت ، وهو الخيار الأكثر قسوة .
المشكلة هنا ليست في الفنان وحده ، بل في الفراغ الذي يُترك فيه . لا توجد جسور حقيقية بين مرحلة الدراسة ومرحلة الاحتراف … لا منصات انتقال ، لا برامج احتضان ، لا حتى تقاليد فنية تحمي هذه اللحظة الحساسة . كأننا نُخرّج فنانين … ثم نتركهم يواجهون مصيرهم الفردي .
والأخطر من ذلك ، أن الفنان نفسه لا ينتبه لما يحدث له … يظن أن الأزمة في موهبته ، أو في قلة الفرص ، بينما هي في الحقيقة أزمة انتقال غير مكتمل . هو لم يفقد قدرته … بل فقد الإطار الذي كانت تتحرك داخله . في تلك اللحظة تحديدًا ، يحتاج الفنان إلى شيء لا يُدرّس أيضًا : أن يرى نفسه دون مرآة المعلم .. أن يخطئ دون خوف .. أن يكرر نفسه حتى يملّ منها ، ثم يخرج منها إلى صوته الخاص .
لكن هذا لا يحدث بسهولة ، ولا يحدث وحده دائمًا .
ولهذا ، حين أنظر إلى اللوحات التي وُلدت خارج القاعة ونجت ، أجد فيها شيئًا مختلفًا .. ليست أكثر إتقانًا بالضرورة … لكنها أكثر صدقًا .. فيها ارتباك أولي ، نعم ، لكنها تحمل أثر المعركة : معركة الفنان مع نفسه ، مع الفراغ ، مع غياب من كان يرشده .
أما اللوحات التي لم تنجُ … فلا نراها .
لأن أصحابها اختاروا أن يختفوا قبل أن تُكشف هشاشتها .
وهنا ، لا يصبح السؤال : لماذا يختفي الفنان ؟
بل : لماذا لا نرى تلك اللحظة التي يوشك فيها على الاختفاء ؟
لأن الفن ، في النهاية ، لا يُقاس بما يُعلّق على الجدران … بل بما نجا من السقوط ، في تلك المسافة القصيرة والخطرة ، بين قاعة الدرس … والعالم . الفنان التشكيلي الليبي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
Read Time:2 Minute, 33 Second
