بقلم: وئام أحمد إمام
حين يختصّ الله قلبك بعنايةٍ خفيّة
هناك لحظاتٌ في حياة الإنسان، تبدو في ظاهرها انكسارًا،
وفي باطنها إعادةُ بناءٍ لا تُرى.
لحظاتٌ يتبدّل فيها كل شيء بهدوءٍ مريب؛
لا عاصفة تعلن ما يحدث،
ولا صوت يشرح لك ما يجري،
بل صمتٌ كثيف… كأن الحياة تعيد ترتيب ذاتها بعيدًا عنك، أو ربما لأجلك.
فجأة، يبدأ المشهد في التغيّر:
أشخاصٌ كانوا جزءًا من يومك، ينسحبون بلا ضجيج،
وعلاقاتٌ كنت تستند إليها، تفقد معناها تدريجيًا،
وأشياءٌ ظننتها ثابتة، تتفكك بين يديك دون مقاومة.
فتقف حائرًا أمام هذا التحوّل،
تسأل نفسك: ماذا يحدث؟
ولِمَ يبدو كل ما حولي وكأنه يتلاشى؟
وقد يداهمك شعورٌ قاسٍ بأنك تخسر،
أنك تُترك وحدك،
وأن الطريق الذي كنت تعرفه، لم يعد يشبهك.
لكن الحقيقة وإن بدت بعيدة في تلك اللحظة
أن ما يحدث ليس فقدًا كما تظن،
بل تخفيفٌ رحيم،
واصطفاءٌ دقيق،
وعنايةٌ إلهية تعمل في صمتٍ لا يُدركه إلا من مرّ به.
فالله، حين يختار قلبًا ليكون أقرب،
لا يتركه مثقلًا بما لا يليق به.
ينزع عنه ما يربكه،
ويُبعد عنه ما يشتته،
ويحرّره من كل تعلّقٍ كان يظنه ضرورة،
بينما هو—في حقيقته—قيدٌ خفي.
كم من أمرٍ تمسّكنا به، ظنًا أنه يمنحنا الأمان،
وإذا به يُثقل أرواحنا دون أن نشعر.
وكم من علاقةٍ ظنناها سندًا،
بينما كانت تستنزفنا في صمت.
لكننا—بطبيعتنا البشرية—لا نُحسن التخلّي،
حتى عمّا يؤذينا،
ولا نرى الزيف حين نعتاده،
ولا نشكّك في الأشياء التي ألفناها،
حتى وإن كانت لا تشبهنا.
وهنا تتجلّى رحمة الله…
لا في العطاء فقط،
بل في الأخذ أيضًا.
فيأخذ—بلطفٍ موجع—
ما تعلّق به قلبك أكثر مما ينبغي،
ويهدم ما بنيته على وهم،
ويُسقط ما ظننته أساسًا،
حتى لا تبقى متكئًا إلا عليه.
قد يبدو هذا قاسيًا في ظاهره،
لكنه—في جوهره—أشدّ أشكال الرحمة صدقًا.
فالقلب الذي يمتلئ بكل شيء،
لا يجد مكانًا لما هو أبقى.
والروح التي تتوزّع بين تعلّقاتٍ كثيرة،
تعجز عن أن تستقر في حضرة واحدة.
لذلك، حين يُفرّغ الله قلبك،
فهو لا يتركه خواءً،
بل يهيّئه لامتلاءٍ مختلف…
امتلاء لا يُرهقك، بل يُطمئنك.
وهنا، تبدأ مرحلةٌ أخرى…
مرحلةٌ يتغيّر فيها كل شيء من الداخل:
يتحوّل الدعاء من كلماتٍ تُقال،
إلى شعورٍ يُعاش،
إلى حاجةٍ صادقة،
إلى لجوءٍ حقيقي لا يشوبه تردّد.
تشعر حينها أنك لا تدعو بلسانك فقط،
بل بكل ما فيك.
وتدرك—بهدوءٍ عميق—
أن الطرق التي سلكتها،
والخيارات التي ظننتها نابعةً منك،
لم تكن إلا خيوطًا خفية
تُنسج لتقودك إلى هذا القرب.
ثم تصل—رويدًا رويدًا—إلى حالةٍ نادرة:
حالةٍ لا تعود فيها تقاوم ما يحدث،
ولا تُرهق نفسك في محاولة الفهم المستمر،
بل تتصالح.
تصبح أكثر هدوءًا،
أكثر تسليمًا،
أكثر يقينًا بأن ما كُتب لك،
يحمل لك من الخير ما قد لا تدركه الآن.
فتحب ما اختاره الله لك،
وترضى بما قدّر،
وتجد نفسك منسجمًا مع قدرٍ
كنت تخشاه يومًا.
وهنا… يحدث التحوّل الحقيقي.
لا في الظروف من حولك،
بل فيك أنت.
تصبح أكثر خفّة،
أقل تعلّقًا،
أعمق فهمًا،
وأصدق حضورًا مع نفسك ومع الله.
وهذا هو القرب الذي لا يُرى…
ولا يُحكى عنه كثيرًا.
ليس كرامةً تُدهش الآخرين،
ولا لحظةً استثنائية تُروى،
بل سكينةٌ هادئة تستقر في قلبك،
ونورٌ خفيّ يملأ صدرك،
وطمأنينة لا تزعزعها تقلبات الحياة.
وعندها فقط… تفهم.
تفهم أن من رحل، لم يكن خسارة،
وأن ما فقدته، لم يكن كله لك،
وأن الفراغ الذي أخافك،
لم يكن إلا مساحةً
أراد الله أن يملأها به.
تفهم أن كل ما مررت به،
لم يكن عبثًا،
ولا قسوةً بلا معنى،
بل إعدادًا دقيقًا،
وصناعةً هادئة لقلبٍ
أراده الله أن يكون خالصًا له…
قلبًا، إذا امتلأ به،
لم يعد يحتاج شيئًا سواه.
ويبقى ما يكتبه الله في القلب… أصدق من كل ما نحاول قوله.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
