متابعة كوثر الفرجاني
على المائدة الليبية العريقة لا يمكن أن ننسى بطلًا مهمًا من أبطالها، وركيزة أساسية لا نستطيع تصور غيابه، بل هو الرفيق الدائم للأطباق في جميع الأوقات. إنه رغيف الخبز بأشكال وألوان ومذاقات تحمل بين طياته تراثًا وحكايات، وترسم زاوية مهمة من لوحة المائدة الليبية، واليوم ومع دخول نمط الحياة الصحي كلغة عصرية دقت جميع البيوت، يتبادر إلى الأذهان سؤال مستمر، ما بين الخبز الأسمر والأبيض، أيهما نختار؟ أجدادنا ماذا كانوا يأكلون؟ ولماذا تغيرت ذائقة الليبيين؟
اسئلة كثيرة تتبادل إلى الأذهان ونحن نصحبكم في رحلة سريعة نختار بها معًا الرابح الأكبر في هذه المقارنة.
أو هي قصة نحكيها عن التنور الليبي، وماله من حضور شهي بوجداننا أيام كان التنور ركناً لا غنى عنه بالبيت العربي على امتداد رقعة الأرياف الليبية ؛ وكان لخبزه الساخن في ذلك الوقت، طعم لا يعرفه جيل الكيك والوجبات السريعة، خبز بطعم التآلف والمودة.
كل ذلك لمسناه عبر لقاءات بسيدات يمتهن خبز التنور، الذي يكاد يندثر، واطلعنا على صعوبات هذا العمل اليوم، وكيف كان قديماً، وعبرت السيدات عن حنينهن لأيام خبز التنور، وقلن إن “لا شيئ يضاهي الجلوس لصناعة الخبز في الريف حين تتحلق السديات حوله، في جلسات مخصصة لتبادل الأحاديث بكثير من المتعة عن حوادث الحياة، ويقصصن سيراً وهن يصنعن قوت يومهن الساخن،.
في إحدى زوايا معرض الحلويات والخبيز والخبز الذي انطلقت فعالياته يوم الثلاثاء في الثاني من يناير الحالي؛ واستمرت لمدة ثلاثة أيام على التوالي بمعرض طرابلس الدولى، تنبعث رائحة الخبز الشهي، تماماً كما كانت منذ عشرات السنين، في بيت الجد، جلست سيدة ليبية جاءت للعاصمة من منطقة اوباري تخبز وتنتج خبز التنور الطازج الذي كان ذات يوم يعمر موائد الديار العامرة، وتشيع أجواءً من البهجة والمرح وسط زوارها؛ ورغم تعدد أشكال وأنواع المخبوزات والفطائر والحلويات؛ إلا أن الطلب كان واحدا،
شبكة المدار الاعلامية الاوروبية رافقت السيدة وهي تخلط العجين وتضبط مكوناته بمقدار من الطحين الأبيض والردة (نخالة القمح أو الشعير)، أو دقيق الشعير؛ فتأخذ مقداراً من العجين تطلقه في الهواء ثم تلتقطه بيد ماهرة، ثم تسحب كمية محسوبة بدقة من الردة لتنثرها على وجه الخبز الأبيض، قبل أن تطلق العجين مرة أخرى في حركات سريعة لتلقي به إلى داخل تجويف الفرن الطيني؛ وأمام اللهيب الذي يلفح الوجوه، تقول لنا : «أعمل يومياً منذ الصباح الباكر، وحتى السادسة مساء وأحياناً قد يمتد عملي إلى فترة المساء أيضاً، وللأسف لاحظنا العديد من زوار المعرض يفضلون الخبز الأبيض بالفارينا، لايفضلونه بالنخالة ودقيق الشعير او الطعام. ورغم شدة الحرارة المنبعثة من الفرن، تشير إلى أنها تنتج اكثر من 200 رغيف يوميا لزوار المعرض.
وتشرح بوجه باسم مقادير صناعة الخبز: “عبارة عن مكونات بسيطة من الدقيق والملح والخميرة وقليل من النخالة أحيانا ودقيق الشعير، وبعد أن يختمر العجين يستغرق إعداد الرغيف دقيقتين في الفرن” ،وتتحدث وهي تتابع بمهارة إدخال قطع العجين في النار وانتشاله منها ووضعه على طاولة خشبية لكي تزيل منه الشوائب.
وتؤكد بكل ثقة : ” لا يمكن لأحد أن يقدر يستغنى عن خبز التنور وسيظل هو الأكثر شعبية لأنه يساعد على فتح الشهية ويفضله الليبيين كافة” .
ومثلما رسم القدماء الخبز أثناء تقديمه كقرابين على جدران معابدهم ، أصبحت أرض معارض طرابلس الدولي صومعة للخبز وقائدتها، والتي اصبحت مزاراً يوميا محبباً لزوار المعرض على مدار الثلاثة أيام حيث تستقبلهم بابتسامة لم تخف آثار الحرارة على وجهها، ليتابعوا رحلة الرغيف من كونه حبات دقيق متناثرة إلى عجين رخو إلى رغيف بقوام متماسك تتصاعد منه رائحة البيوت اللبيبة الدافئة، تساعدهم على تعلم آلية إعداد الرغيف على الطريقة التقليدية الليببة، ليعم المرح داخل صومعتها التي تتصاعد فيها ضحكات الزوار وهم يحاولون تقليدها في مهارة رفع العجين والدفع به إلى بهو الفرن.
وتشرح في حديثها عن تكوين التنور بأنه مصنوع من الطين الخام، ويتشكل على هيئة وعاء فخاري يتركز على قاعدة حجرية بشكل مائل، ويوضع في داخله الحطب والوقود الذي يشعل التنور، وارتفاعه يبلغ نحو المتر وسماكته بحدود بين ثلاثة وخمسة سم، بارتفاع لا يتجاوز المتر الواحد، بأن التنور خرج بحرارة ووهج ناره المتقدة من دائرة ضيقة في المنازل القروية إلى أن أصبح على ندرته مصدراً سياحياً مهماً عرفه الشارع الليبي، في أماكن اشتهرت بالسياحة الشعبية والمهرجانات الجهوية؛ بالإضافة إلى الحفاوة التي يجدها في كل معرض للمنتجات المحلية في العاصمة طرابلس مثل معارض التمور والزيت والزيتون.
تعتز هذه السيدة الليبية التي جاءت من اوباري، بمهنتها وتقدم واجب الضيافة لزوار مخبزها المشرعة جوانبه في أكبر زاوية بأرض معارض طرابلس بلقيمات طازجة لتشاركهم «العيش والملح» وهي المقولة الشعبية التي تعبر عن طيب العشرة بين الليبيين وضيوفهم. وتداعبهم قائلة:
( شد.خبزتك وأطلق عبستك) لينتهي بنا المطاف امام صومعتها إلى جوار التنور نتبادل معها الخبز والابتسامة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
