رانيا سليمان سعد الدين
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_لا تزال العلاقات مع الصين تشكل محوراً مهماً في السياسة الماليزية؛ ففي يوم 20 نوفمبر 2024 تداولت العديد من وسائل الإعلام تصريحات وزير النقل الماليزي أنتوني لوك التي أكد خلالها أهمية إنشاء خط سكة حديدية آسيوي عالي السرعة كطريق تجاري بديل حيوي بين الصين وجنوب شرق آسيا. وجاءت هذه التصريحات بعد أيام من تصريح السفير الصيني لدى ماليزيا، في 16 نوفمبر 2024، بأن العلاقات بين الصين وماليزيا قد دخلت مرحلة جديدة من التطور التاريخي، وهي تتقدم بثبات نحو بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك؛ وذلك تزامناً مع الاحتفال بالذكرى الخمسين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وتكتسب العلاقات الماليزية الصينية أهمية كبرى؛ لكونها من أبرز العلاقات الثنائية في منطقة جنوب شرق آسيا؛ إذ تتداخل المصالح الاقتصادية والتاريخية مع القضايا الجيوسياسية، فضلاً عن أهمية موقع ماليزيا الاستراتيجي في قلب ممرات التجارة العالمية، وأهمية الصين كقوة اقتصادية وسياسية عالمية. وفي ضوء التطورات العالمية والإقليمية المتلاحقة، تُثار التساؤلات حول مدى مرونة تلك العلاقات في ظل وجود بعض التعارض في المصالح.
علاقات قوية
تعود العلاقات الماليزية الصينية إلى عصر التجارة البحرية عبر طريق الحرير التقليدي، وتزايدت العلاقات التجارية والثقافية بين البلدين، خلال القرن الخامس عشر، مع زيارات الأسطول الصيني بقيادة المستكشف “تشنج خه” إلى سلطنة ملقا، التي كانت مركزاً تجارياً رئيساً في المنطقة، كما شهدت العلاقات نقطة تحول أساسية مع تطبيع العلاقات الدبلوماسية عام 1974؛ حيث كانت ماليزيا من أوائل دول جنوب شرق آسيا التي اعترفت بالصين آنذاك. وبوجه عام، يرتبط اهتمام ماليزيا بالحفاظ على علاقات مستقرة مع الصين بعدد من الأبعاد الرئيسية المتمثلة فيما يلي:
1– التداخل العرقي بين الدولتين: يمثل الصينيون نحو 23% من سكان ماليزيا، ويعتبرون في بعض الأحيان جزءاً من النفوذ الصيني المتزايد هناك. وفي ظل وجود بعض التوترات العرقية بين الجالية الصينية الماليزية والمجموعات العرقية الأخرى داخل ماليزيا، وكان آخرها حادث رفع العلم الصيني في مهرجان محلي في نهية أكتوبر 2024، الذي أثار انتقادات محلية واسعة، لم تؤثر مثل تلك الحوادث على العلاقات بين ماليزيا والصين باعتباره شأناً داخلياً.
2– التعاون التجاري بين بكين وكوالالمبور: تُعد الصين أكبر شريك تجاري لماليزيا؛ حيث تجاوز حجم التجارة الثنائية 117.2 مليار دولار أمريكي في الأشهر السبع الأولى من عام 2024 بزيادة قدرها 10.8% مُقارنةً بالفترة المناظرة من العام الماضي. وتتمثَّل أبرز الصادرات الماليزية إلى الصين في منتجات أساسية مثل الإلكترونيات، وزيت النخيل، والغاز الطبيعي، بينما تتمثل وارداتها من الصين في الآلات، والسيارات، والإلكترونيات، كما تلعب مبادرة “الحزام والطريق” دوراً محورياً في توطيد العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
3– أهمية الاستثمارات التكنولوجية الصينية بالنسبة لماليزيا: أصبحت التكنولوجيا مجالاً جديداً للتعاون بين البلدين؛ حيث تستثمر الصين في تطوير المدن الذكية والبنية التحتية الرقمية في ماليزيا، كما يشارك الجانبان في مشروعات الطاقة المتجددة، مثل مزارع الرياح والطاقة الشمسية؛ ما يعكس تحول العلاقات نحو التعاون المستدام.
4– مواصلة التقارب السياسي بين الدولتين: كانت آخر تلك الزيارات الرحلة التي قام بها رئيس الوزراء الماليزي “أنور إبراهيم” إلى الصين، في شهر نوفمبر 2024؛ حيث التقى الرئيس الصيني “شي جين بينج”، وأشاد خلالها بالتقدم المحرز في العلاقات الثنائية، وأعرب عن التزامه بنقل نجاح التعاون بين الصين وماليزيا إلى منصات متعددة الأطراف.
كما أوضح “أنور إبراهيم” أن العلاقات بين الصين وماليزيا تجسد أهمية الاحترام والثقة في التعاون الدولي، مؤكداً أنها روح ينبغي تنميتها في جميع أنحاء المنطقة؛ وذلك خلال حضوره الاجتماع السنوي لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في بيرو، في 14 نوفمبر 2024.
5– ترويج ماليزيا مشروعات للربط الإقليمي مع بكين: تروج بكين بعض المشروعات للربط الإقليمي مع الصين؛ فقد أكد وزير النقل الماليزي أنتوني لوك مؤخراً أهمية إنشاء خط سكة حديدة آسيوي عالي السرعة كطريق تجاري بديل حيوي بين الصين وجنوب شرق آسيا، وذكر: “إذا كان بإمكانك الربط بين ماليزيا والصين، فهذا يعني أن هذا هو وسيلة نقل بديلة للصين، وهو رابط بديل مهم للغاية من حيث سلاسل التوريد، خاصةً عندما يكون لديك توترات في بحر الصين الجنوبي”، وأضاف: “من خلال مضيق ملقا، يمكننا استخدام القطارات لنقل البضائع على طول الطريق بين الصين وبقية العالم عبر الموانئ الماليزية”.
تحديات قائمة
بالرغم من العلاقات الاقتصادية القوية بين البلدين، هناك مجموعة من التحديات التي تواجهها، ومنها النزاعات في بحر الصين الجنوبي، وكذلك العلاقات الماليزية الأمريكية، وهو ما يمكن توضيحه في الآتي:
1– النزاعات الجيوسياسية في بحر الصين الجنوبي: تتمثَّل أهمية بحر الصين الجنوبي في كونه محوراً استراتيجياً للتجارة العالمية، فضلاً عن احتوائه على احتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي؛ ما يُثير الخلافات بين الدول المُطلة عليه؛ حيث تطالب الصين بمعظم أجزاء بحر الصين الجنوبي، مستندةً إلى “خط النقاط التسع”، الذي يتداخل مع المناطق الاقتصادية الخالصة لعدد من الدول ومنها ماليزيا التي تؤكد سيادتها على المناطق البحرية التي تقع ضمن حدودها المقررة دولياً.
وتعمل ماليزيا على توسيع عمليات التنقيب عن النفط والغاز في مناطقها الاقتصادية الخالصة، مثل مشروع كاساواري، فضلاً عن تعزيز الاعتماد على آليات حل النزاعات عبر رابطة الآسيان؛ وذلك لمواجهة التصعيد في التوترات بين الصين ودول جنوب شرق آسيا مؤخراً، وزيادة الوجود العسكري الصيني في المناطق المتنازع عليها.
2– حرص ماليزيا على استمرار علاقاتها مع واشنطن: تعتبر واشنطن شريكاً رئيساً لكوالالمبور في عدد من المجالات، أبرزها الأمن البحري؛ حيث تتشارك الدولتان في تدريبات عسكرية لتعزيز قدرة ماليزيا على حماية مياهها الإقليمية، وفي مجال التجارة والاستثمار؛ إذ تُعد الولايات المتحدة الأمريكية سوقاً رئيساً للصادرات الماليزية، لا سيما في قطاع الإلكترونيات، كما تُقدِّم الجامعات والمؤسسات الأمريكية فرصاً للتعاون الأكاديمي والتكنولوجي.
3– عودة “ترامب” إلى البيت الأبيض: قد تُشكل عودة ترامب تحدياً إضافياً للعلاقات الماليزية الصينية، خصوصاً في ظل سياسات “ترامب” المتشددة في التعامل مع الصين، المتمثلة في فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية ورفع التعريفات الجمركية. وانعكس هذا التحدي في تصريحات وزير الاستثمار والتجارة والصناعة الماليزي “تنكو ظفرول عزيز”، في 15 نوفمبر 2024؛ حيث أعرب عن قلقه من تزايد التوترات بين واشنطن وبكين، وما قد يترتب عليها من تباطؤ النمو العالمي وارتفاع التكاليف؛ وذلك بالرغم من دورها الإيجابي في جذب الاستثمارات إلى جنوب شرق آسيا، بما فيها ماليزيا.
4– تبني كوالالمبور سياسة التوازن في العلاقات بين بكين وواشنطن: تسعى واشنطن من تعزيز علاقاتها مع دول جنوب شرق آسيا إلى الحد من النفوذ الصيني في المنطقة، وتوفر العلاقات مع ماليزيا فرصاً استراتيجية لتحقيق هذا الهدف. ومع ذلك، تسعى ماليزيا إلى تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الصين؛ لذا تعتمد كوالالمبور سياسة توازن دقيقة تتيح لها الاستفادة من العلاقات مع كلا الطرفين.
5– إمكانية توظيف ماليزيا الآسيان في الضغط على بكين: من المُقرَّر أن تتولى ماليزيا رئاسة رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) في عام 2025؛ ما يمنحها فرصة فريدة للتأثير على جدول الأعمال الإقليمي والمساهمة في إيجاد حلول للنزاعات الإقليمية، لا سيما تلك المتعلقة ببحر الصين الجنوبي، وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في مواجهة التحديات المشتركة.
وتعتبر قضية بحر الصين الجنوبي واحدة من أكثر القضايا تعقيداً التي تواجه الآسيان. وعلى الرغم من الجهود السابقة للتوصل إلى “مدونة قواعد السلوك” بين الآسيان والصين، لا تزال الخلافات قائمة، ومن ثم قد تعمل ماليزيا على دفع جهود وضع مدونة قواعد السلوك، وهو أمر قد يثير بعض الخلافات مع الصين؛ حيث تثار عدد من التساؤلات حول طبيعة هذه المدونة وحدود التنازلات والتوافقات المطلوبة للتوصل إلى المدونة.
وفي الختام، يُمكن القول بأن العلاقات الماليزية الصينية تعكس توازناً حساساً بين المصالح الاقتصادية والتحديات الجيوسياسية؛ فبينما تسعى ماليزيا إلى تحقيق أقصى استفادة من شراكتها مع الصين، فإن النزاعات في بحر الصين الجنوبي والتوترات المحلية تُشكِّل تحديات حقيقية. ومن جهة أخرى، يمثل التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية أداة حيوية لتعزيز موقف ماليزيا في مواجهة الضغوط الإقليمية، ومن ثم فإنه فمع اقتراب توليها رئاسة الآسيان، تبدو ماليزيا في موقع استراتيجي لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتحقيق أهدافها التنموية، ولكن سيعتمد نجاح ماليزيا في المستقبل على قدرتها على الموازنة بين المصالح المتناقضة وإدارة علاقاتها بحكمة مع القوى الكبرى، مع التركيز على تعزيز دورها القيادي في المنطقة.
انترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
