الخميس. فبراير 5th, 2026
0 0
Read Time:7 Minute, 6 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_تصاعدت الأحداث في قطاع غزة بوتيرة متسارعة مطلع شهر سبتمبر 2025، ومعها تزايدت الضغوط الدولية على إسرائيل بسبب العمليات العسكرية التي تشنها ضد الفلسطينيين، والتي أسفرت عن كارثة إنسانية واسعة النطاق، شملت سقوط آلاف الضحايا المدنيين وارتفاع حالات سوء التغذية والمجاعة، خصوصًا بين الأطفال. على هذا الخلفية، بدأت المفوضية الأوروبية في اتخاذ خطوات ملموسة لفرض عقوبات اقتصادية وبحثية على إسرائيل، وهو ما يمثل اختبارًا حقيقيًا لوحدة موقف الاتحاد الأوروبي وقدرته على التأثير في الأزمات الدولية.

المفوضية الأوروبية ـ مقترحات لعقوبات على إسرائيل

ردًا على عمليات إسرائيل في قطاع غزة، تعتزم المفوضية الأوروبية يوم 17 سبتمبر 2025 طرح مقترحات إضافية ملموسة لفرض عقوبات على إسرائيل. وكما أوضحت متحدثة باسم المفوضية، فإن الأمر سيشمل، من بين أمور أخرى، إمكانية تعليق بعض الاتفاقيات التجارية التي تُعد جزءًا من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. وتحدد هذه الاتفاقيات على وجه الخصوص السلع التي يمكن تداولها بدون رسوم جمركية أو بشروط تفضيلية مخفّضة.هذا المقترح يأتي ضمن حزمة إجراءات سبق أن أعلنت عنها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في وقت سابق من شهر سبتمبر 2025، والتي تتضمن أيضًا وقفًا لمدفوعات مالية من صندوق تابع للاتحاد الأوروبي مخصص للتعاون الدولي. لكن ما إذا كان مقترح تعليق التسهيلات التجارية سيحظى بالدعم الكافي من مجلس دول الاتحاد الأوروبي لا يزال غير واضح، نظرًا للانقسام القائم بين الدول الأعضاء حول ملف إسرائيل. وكانت فون دير لاين نفسها قد اعترفت في وقت سابق بأنها تدرك أن إيجاد أغلبية داعمة لذلك سيكون أمرًا صعبًا.

من جانبها، دعت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس يوم 16 سبتمبر 2025 الحكومة الألمانية إلى دعم خطط العقوبات التجارية الأوروبية ضد إسرائيل، أو على الأقل تقديم بدائل أخرى كوسائل ضغط. وأوضحت كالاس أن العقوبات التجارية المخطط لها ستُسبب تكاليف باهظة لإسرائيل.  وأشارت بذلك إلى أن تجارة إسرائيل مع الاتحاد الأوروبي شكّلت مؤخرًا نحو ثلث إجمالي التجارة السلعية الإسرائيلية، ما يجعل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأهم لإسرائيل. أما في الاتجاه المعاكس، فإن إسرائيل ليست شريكًا تجاريًا ذا أهمية كبيرة بالنسبة للاتحاد الأوروبي.

مانوع العقوبات المقترحة؟

تشير المقترحات الأوروبية إلى أن الإجراءات المقترحة تتخذ شكلين رئيسيين: الأول يتعلق بـ الجانب التجاري، ويشمل تعليق بعض الامتيازات الممنوحة لإسرائيل بموجب اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والتي تنظم بشكل أساسي السلع التي يمكن تداولها بدون رسوم جمركية أو بشروط تفضيلية مخفّضة. الهدف من هذه الخطوة هو الضغط على الحكومة الإسرائيلية اقتصاديًا لرفع المعاناة الإنسانية في غزة.أما الشكل الثاني فيتعلق بـ التعاون البحثي والعلمي، وتحديدًا برنامج  Horizon Europe، أحد أهم برامج الاتحاد الأوروبي لدعم البحث والابتكار، والذي يتيح لإسرائيل الحصول على تمويلات ضخمة بملايين اليوروهات. المقترح ينص على تعليق مشاركة بعض المؤسسات الإسرائيلية، مثل الشركات الناشئة والمختبرات العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطائرات المسيّرة، في المشاريع الممولة من المجلس الأوروبي للابتكار (EIC) مع ذلك، ستظل مشاركة الجامعات الإسرائيلية والباحثين الأوروبيين قائمة لضمان استمرار التبادل العلمي المفيد للطرفين.

وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية: “تهدف هذه الإجراءات إلى زيادة الضغط على إسرائيل لضمان وصول المساعدات الإنسانية لسكان غزة، وليس لفرض عقوبات انتقامية”، مؤكدة أن هذه الإجراءات ستؤثر بشكل مباشر على الشركات التي تعتمد على التمويل الأوروبي دون الإضرار بالتعاون الأكاديمي الحيوي.

مواقف الدول الأوروبية من القرار؟

رغم الطابع الإنساني والاقتصادي المقصود من هذه العقوبات، لا تزال المواقف داخل الاتحاد الأوروبي متباينة، وهو ما يوضح الانقسام السياسي الذي يعيق اتخاذ موقف موحد.

ـ ألمانيا تتصدر الدول التي أعربت عن تحفظاتها، حيث رفضت الحكومة الفدرالية مؤقتًا المقترح، معتبرة أن تعليق التعاون البحثي لن يؤثر على السياسات الإسرائيلية العسكرية أو السياسية. وزير الخارجية الألماني، د. يوهان فادهبول، قال خلال اجتماع وزراء الخارجية في كوبنهاغن: ” أعتقد أن هذا إجراء محدود التأثير ولن يغير نهج إسرائيل العسكري، لذلك نركز على قيود أكثر تحديدًا مثل تقييد صادرات الأسلحة التي قد تُستخدم في غزة”. وأكد أن التعاون البحثي والعلمي لا يزال مفيدًا للطرفين ويجب الحفاظ عليه.

ـ إيطاليا تشارك ألمانيا التحفظات، وهو ما يزيد من صعوبة تمرير القرار، وفق خبراء أوروبيين يرون أن الموقف الإيطالي مرتبط بالاعتبارات الداخلية وحساسية العلاقات الثنائية مع تل أبيب. 

ـ فرنسا وإسبانيا وبولندا والدول الصغيرة الأخرى تؤيد المقترحات الأوروبية، معتبرة أنها ضرورة لردع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وصرح وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس: “العلاقات الأوروبية مع إسرائيل يجب أن تبنى على أساس حقوق الإنسان. إذا كانت هناك انتهاكات جسيمة، فلا بد من التحرك.” الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، قالت: “إذا ظل الاتحاد منقسمًا، فلن يكون له صوت موحد على الساحة الدولية، وسيفقد تأثيره في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية حساسية.”

ما سبب رفض ألمانيا ؟

ـ تأثير محدود للعقوبات البحثية على القرار العسكري الإسرائيلي: برلين ترى أن تعليق التعاون العلمي لن يغير من نهج إسرائيل العسكري، ولذلك تعتبر تدابير أكثر مباشرة مثل تقييد صادرات الأسلحة أكثر فاعلية.

ـ الحفاظ على التعاون العلمي الاستراتيجي: خبراء ألمانيون يؤكدون أن التعاون البحثي مع إسرائيل يعزز الابتكار الأوروبي في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطائرات المسيّرة، وهو ما تعتبره ألمانيا أولوية استراتيجية.

ـ الضغوط الداخلية والسياسية: النقاش الداخلي في ألمانيا مكثف، وقرار المستشار فريدريش ميرتس وقف تصدير معدات عسكرية قد تُستخدم في غزة تلقى انتقادات حتى من داخل حزبه، بما في ذلك تصريحات النائب رودريش كيزفيتر الذي وصف القرار بأنه “خطأ سياسي واستراتيجي جسيم من جانب ألمانيا”.

ـ التوازن الاقتصادي والتجاري: الاتحاد الأوروبي يشكل نحو ثلث تجارة إسرائيل الخارجية، ما يجعل العقوبات التجارية فعالة لكنها محفوفة بالمخاطر السياسية والاقتصادية على العلاقات الثنائية.

النتائج

تعد أزمة غزة والضغط على إسرائيل اختبارًا حقيقيًا لوحدة الاتحاد الأوروبي وقدرته على اتخاذ موقف موحد تجاه ملفات الشرق الأوسط الحساسة. بين الدول التي ترى أن العقوبات ضرورة إنسانية وأخلاقية، وتلك التي تفضل تدابير أكثر تحديدًا وفعالية، يبقى السؤال: هل ستتمكن أوروبا من تجاوز الانقسامات الداخلية لتظهر ككتلة واحدة وموحدة، أم ستظل رهينة الاختلافات السياسية والاقتصادية بين أعضائها، ما قد يضعف نفوذها الدولي؟

ـ إن تمرير العقوبات الأوروبية يتطلب أغلبية مؤهلة في مجلس الاتحاد الأوروبي، أي موافقة 15 من 27 دولة تمثل معًا 65% من سكان الاتحاد. وفق محللين أوروبيين، احتمال الفشل مرتفع إذا استمرت ألمانيا وإيطاليا في موقفهما الرافض، وهو ما قد يمنع صدور قرار موحد ويترك إسرائيل في موقف دبلوماسي أقوى. السيناريو البديل، وفق الخبراء، هو أن تمرر العقوبات إذا امتنعت إيطاليا فقط عن التصويت، لكن ذلك سيترك الاتحاد بصوت أوروبي جزئي وضعيف سياسيًا.

ـ إن العقوبات التجارية والبحثية  على إسرائيل قد تفرض تكاليف مالية وعلمية باهظة، لكنها لن تغير نهجها العسكري. لكن في حال الفشل، سيظهر الانقسام الأوروبي واضحًا، وسيضعف المصداقية الأوروبية على الساحة الدولية. العقوبات المصممة بشكل معتدل تهدف إلى الضغط لتحسين وصول المساعدات، لكنها قد تواجه صعوبات تطبيقية في حال عدم التوافق الأوروبي.

ـ يبدو أن الاتحاد الأوروبي يواجه تحديًا كبيرًا في محاولاته لفرض عقوبات على إسرائيل، تتباين مواقف الدول الأعضاء بشكل واضح. ألمانيا، على سبيل المثال، ورغم أنها اتخذت خطوة بوقف بعض صادرات السلاح التي يمكن استخدامها في الحرب على غزة، إلا أنها ما زالت تعارض الإجراءات الأوسع مثل تعليق اتفاقية الشراكة التجارية مع إسرائيل أو فرض عقوبات على الوزراء الإسرائيليين. ومع الثقل السياسي والاقتصادي لبرلين داخل الاتحاد، فإن قدرتها على التأثير في مسار القرارات تُعد حاسمة. وإلى جانب ألمانيا، هناك دول أخرى مثل إيطاليا والنمسا والتشيك وهنغاريا تبدي تحفظًا أو رفضًا لفكرة العقوبات، إما بدافع دعمها السياسي لإسرائيل أو لاعتقادها بأن مثل هذه الإجراءات غير مجدية. يضاف إلى ذلك أن بعض الخطوات مثل تعليق اتفاقيات الشراكة تحتاج إلى إجماع داخل الاتحاد، وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا في ظل هذه الانقسامات.

ـ عوامل تدفع نحو تمرير إجراءات محدودة. الضغوط الشعبية والبرلمانية داخل أوروبا تتزايد، خاصة بعد استمرار الحرب في غزة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وهو ما يجعل دولًا مثل إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا تضغط بقوة من أجل موقف أوروبي أكثر صرامة.

ـ المفوضية الأوروبية برئاسة أورسولا فون دير لاين حاولت أن توازن بين الطموحات السياسية والقيود الواقعية، فطرحت مقترحات تتدرج من عقوبات شاملة إلى خطوات يمكن تمريرها عبر التصويت بالأغلبية المؤهلة، مثل فرض عقوبات على المستوطنين والوزراء المتطرفين أو تجميد بعض المساعدات الثنائية، وهي خطوات أكثر قابلية للتنفيذ. أما فرنسا وإسبانيا، فتظهران إصرارًا على الدفع نحو قرارات عملية، حتى وإن كانت رمزية، لتأكيد موقف أوروبي موحد.

ـ من المرجح أن الاتحاد الأوروبي لن يتمكن من تمرير عقوبات كبرى أو تعليق اتفاقية الشراكة بالكامل، بسبب المعارضة الألمانية والتحفظات من بعض الدول الأخرى. لكن من المتوقع أن يتمكن من إصدار حزمة جزئية من الإجراءات تتضمن تجميد بعض المساعدات الثنائية، وفرض عقوبات محدودة على عدد من المستوطنين أو الوزراء المتطرفين.  وربما تجميد بعض الاجتماعات أو الحوارات الرسمية مع إسرائيل. في المحصلة، يبدو أن الاتحاد سيتجه نحو إعلان إجراءات عقابية ذات طابع محدود، تمثل حلًا وسطًا بين الضغوط الشعبية المتصاعدة من جهة والقيود السياسية والانقسامات الداخلية من جهة أخرى.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code