إعداد : آندي فليمستروم
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_وقّعت المملكة العربية السعودية وباكستان اتفاقية دفاعية استراتيجية في الرياض في 17 سبتمبر 2025، مما شكّل مرحلة جديدة في تعاونهما الأمني. تعكس هذه الاتفاقية طموح الرياض إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة وتعزيز هامش مناورتها الاستراتيجية عبر تحالفات متنوّعة. ولا يقتصر تأثير هذه الخطوة على العلاقات بين الرياض وإسلام آباد فحسب، بل يخلق أيضًا ديناميكيات جديدة في منطقة الخليج وجنوب آسيا وما وراءهما، مع انعكاسات على الصين وإيران والهند والوجود الأميركي. تسلّط هذه المقالة الضوء على كيفية إعادة تشكيل هذه الشراكة لتوازن القوى الإقليمي، وما تمثّله من تحوّل نحو نظام أمني أكثر تعددية الأقطاب.
تم توقيع الاتفاقية خلال الزيارة الرسمية لرئيس الوزراء شهباز شريف إلى الرياض، حيث التقى ولي العهد محمد بن سلمان. وجاء توقيع الاتفاقية بعد أسبوع فقط من الغارة الإسرائيلية غير المألوفة على قيادة حركة حماس في قطر في 9 سبتمبر2025، وهي الهجوم الذي صدم قطر وأثار غضبًا شديدًا في منطقة الخليج الغنية بالنفط، والتي اعتمدت تاريخيًا على الولايات المتحدة كضامن لأمنها.
العلاقات بين باكستان والسعودية
تستند العلاقة بين المملكة العربية السعودية وباكستان إلى روابط طويلة الأمد تجمع بين التاريخ والاستراتيجية. فمنذ استقلال باكستان عام 1947، قدمت السعودية دعمًا سياسيًا واقتصاديًا مبكرًا، ما أسس لشراكة قوية ومستدامة بين البلدين.منذ سبعينيات القرن الماضي، لعبت السعودية دورًا رئيسيًا في تمويل برنامج باكستان النووي، جزئيًا بهدف توفير حماية نووية محتملة للمملكة. ووفقًا لتقارير استخباراتية، بلغ حجم الدعم مئات المليارات من الدولارات، غالبًا عبر قنوات غير مباشرة، مما جعل التعاون شاملًا وذو أهمية استراتيجية كبيرة.
أما الاتفاقية الأخيرة في سبتمبر 2025، فهي تعمّق التعاون الدفاعي بشكل أكبر من خلال إقامة قدرة ردع مشتركة ضد التهديدات الخارجية. وهذا يرسل رسالة واضحة إلى الحلفاء والمنافسين على حد سواء بأن أي اعتداء على أحد البلدين سيُواجَه بشكل مشترك، وفي الوقت ذاته يعزز دور باكستان كشريك أمني موثوق ويظهر سعي الرياض لتنويع تحالفاتها الاستراتيجية بعيدًا عن الولايات المتحدة.ويُنظر إلى الاتفاقية أيضًا على أنها خطوة نحو تحالف إسلامي للردع، حيث تُقرب دول الخليج أكثر من جنوب آسيا لتنسيق الاستجابة للتهديدات الإقليمية. ووصف الإعلامي الكويتي محمد أحمد الملا هذا التحرك بأنه مبادرة استراتيجية قد تُسهم في تعزيز التكامل الأمني والاستقرار في المنطقة.
رد فعل الهند على الاتفاقية
أثار الاتفاق الدفاعي السعودي الباكستاني قلقًا في الهند، التي طالما حاولت موازنة منافستها مع باكستان بينما تعتمد بشكل كبير على النفط السعودي. وقد أثارت صياغات الاتفاقية، التي تذكّر بمبدأ الدفاع الجماعي في حلف الناتو، تكهنات حول ما إذا كان من الممكن أن تُجرّ السعودية إلى صراعات مستقبلية بين الهند وباكستان، لا سيما في ضوء المواجهة العسكرية الأخيرة بين الجارين.ومع ذلك، يرى العديد من المحللين الهنود أن الاتفاقية تقوم إلى حد كبير بتقنين تعاون أمني قائم بالفعل. فمنذ ستينيات القرن الماضي، قامت القوات الباكستانية بتدريب الجنود السعوديين والمشاركة في حماية مكة والمدينة خلال الأزمات، في حين قدّمت الرياض دعمًا اقتصاديًا وطاقةً كبيرًا لإسلام آباد. وهذا الخلفية التاريخية تجعل الاتفاقية تؤكد أنماطًا طويلة الأمد أكثر من كونها تحولًا استراتيجيًا جديدًا بالكامل.
في الوقت نفسه، حاولت السعودية إرسال إشارات تطمينية إلى نيودلهي. فقد شدّد مسؤول سعودي رفيع المستوى على أن العلاقات مع الهند قوية، وأن التعاون، خاصة في مجال الطاقة، سيستمر. وتظل الهند تعتمد على النفط السعودي، على الرغم من أن الرياض أصبحت الآن ثالث أكبر مورد للهند بعد روسيا والعراق. ومع ذلك، يرى الخبراء أن موقف باكستان الاستراتيجي يزداد قوة بفضل الدعم المقدم من الصين وتركيا والسعودية، وهو ما قد يُحدث على المدى الطويل تغييرًا في توازن القوى الإقليمي.
تزايد النفوذ الصيني في الشرق الأوسط
الاتفاق الدفاعي السعودي الباكستاني ليس مجرد تعاون أمني ثنائي، بل يفتح أيضًا الباب أمام تعزيز النفوذ الصيني في الشرق الأوسط. فالعلاقات الوثيقة بين باكستان وبكين، خاصة من خلال مبادرة الحزام والطريق والمشاريع الدفاعية، تجعل تعاون الرياض مع إسلام آباد قناة غير مباشرة لنفوذ صيني في السياسة الأمنية الإقليمية.هذا التطور يغيّر ديناميكيات القوة في منطقة الخليج، حيث يظهر الصين كقوة استراتيجية مقابلة للولايات المتحدة. ومن خلال استخدام باكستان كوسيط، يمكن لبكين الانخراط في الشؤون الإقليمية دون تحدي المصالح الأميركية بشكل مباشر، مما يمنح الصين دورًا أكثر شرعية في سياسات الدفاع وبناء القدرات العسكرية في المنطقة.
بالنسبة لواشنطن، يمثل هذا تحديًا، إذ لطالما كانت السعودية ركيزة أساسية في استراتيجيتها الأمنية. إن التواجد الصيني غير المباشر قد يقلل من التفرد الأميركي في منظومة الدفاع الخليجية، بينما يعزز بكين موقعه كفاعل يتمتع بنفوذ اقتصادي وسياسي أمني معًا.أما بالنسبة لدول الخليج، وخاصة السعودية، يوفر هذا التطور متعدد الأقطاب فرصة لموازنة العلاقات بين القوى الكبرى. ومن خلال تنويع تحالفاتها، يمكن للرياض الحفاظ على روابطها التقليدية مع واشنطن، وفي الوقت ذاته الاستفادة من شراكات استراتيجية جديدة عبر الصين وباكستان، مما قد يعيد تشكيل البنية الأمنية المستقبلية للمنطقة.
العلاقة السعودية- الأميركية: تراجع الثقة
يجب النظر إلى قرار المملكة العربية السعودية بإبرام اتفاقية دفاعية مع باكستان في 17 سبتمبر 2025 في سياق علاقاتها التاريخية الوثيقة مع الولايات المتحدة. لعقود طويلة، كانت واشنطن ضامن الأمن في الخليج، لكن حالة عدم اليقين بشأن الالتزام الأميركي في الأزمات دفعت الرياض إلى البحث عن شراكات استراتيجية بديلة تعزز حرية تحرك المملكة دون استبدال الحماية الغربية بشكل كامل.
الهجوم الإسرائيلي على قيادة حركة حماس في قطر في سبتمبر 2025، حيث امتنعت الولايات المتحدة عن التدخل، أبرز بشكل واضح القيود التي تواجهها الرياض نتيجة اعتمادها على واشنطن. وقد شكّلت هذه الحالة عامل دفع لتنويع العلاقات الأمنية، حيث برزت باكستان كشريك موثوق للردع المشترك ولضمان الاستقرار الإقليمي.تعكس الاتفاقية تحولًا استراتيجيًا أوسع نحو هياكل أمنية متعددة الأقطاب في منطقة الخليج. ومن خلال التعاون مع باكستان والروابط غير المباشرة مع الصين، يمكن للسعودية تقليل نقاط ضعفها، وزيادة هامش تحركها الاستراتيجي، وموازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة. ويشكل هذا علامة فارقة مهمة في سعي الرياض للجمع بين الاستقلالية والتحالفات طويلة الأمد في بيئة أمنية متغيرة.
انعكاسات الاتفاقية على أمن الشرق الأوسط
تشكل الاتفاقية الدفاعية السعودية – الباكستانية تحولًا استراتيجيًا في ميزان الأمن في منطقة الشرق الأوسط، حيث يكتسب التعاون الثنائي أهمية إقليمية أوسع. ويتأثر سياق الاتفاقية بالتوترات مع إيران، والصراع المستمر في غزة، وتراجع الثقة في الحماية الغربية. وهذا يجعل الاتفاقية أكثر من مجرد شراكة عسكرية، لتصبح أداة لإعادة تشكيل السياسة الأمنية الإقليمية. تعزز الاتفاقية القدرة السعودية على الردع الاستراتيجي من خلال دعم باكستان، الدولة النووية التي تمتلك قدرات عسكرية متقدمة وخبرة قتالية. ويجبر هذا الخصوم مثل إيران وحلفاءها على احتساب سيناريوهات أكثر تعقيدًا في حال التصعيد العسكري، ويوفر لشركاء الخليج مزيدًا من الطمأنينة في بيئة إقليمية غير مستقرة.
ويؤثر التعاون على التوازن الثلاثي بين دول الخليج وإيران وإسرائيل. أما بالنسبة لإيران، فإن الاتفاقية تحد من إمكانيات التوسع في دول مثل اليمن والعراق وسوريا، حيث يمكن لباكستان أن تلعب دورًا داعمًا في النزاعات مع السعودية. أما بالنسبة لإسرائيل، فيمثل الشراكة تحالفًا إسلاميًا معززًا يعارض ممارساتها في فلسطين، ويحدّ من قدرتها على استغلال الانقسامات بين الدول الإسلامية. وأخيرًا، تفتح الاتفاقية الباب أمام تكوين كتلة أمنية إسلامية جديدة بقيادة السعودية وبدعم من فاعلين إقليميين آخرين مثل مصر وتركيا. ويشكل هذا بديلًا للحماية الغربية المتراجعة ويعكس تحولًا نحو أنظمة أمنية إقليمية مستقلة، تُعالج فيها التهديدات والتحديات بشكل مشترك داخل الشرق الأوسط.
قراءة مستقبلية
في ضوء ما سبق، يتضح أن الاتفاقية الدفاعية السعودية – الباكستانية تتجاوز كونها مجرد تفاهم ثنائي، لتصبح خطوة استراتيجية تعكس تحوّلًا في ميزان الأمن الإقليمي. وقد جاءت هذه الاتفاقية في وقت حساس يشهد فيه الشرق الأوسط تصعيدًا متزامنًا على عدة جبهات؛ من التوترات مع إيران، إلى العدوان الإسرائيلي على غزة، وصولًا إلى تراجع الحماية الغربية التي شكلت عمودًا فقريًا لأمن الخليج. ومن خلال هذه الاتفاقية، عززت السعودية قدرتها على الردع، وأُعيدت صياغة التوازنات مع إيران وإسرائيل، وفتحت المجال أمام إمكانية تكوين محور أمني إسلامي جديد قد يوجه فلسفة الأمن في المنطقة نحو الاعتماد على الذات بدلًا من الخارج.
ومع ذلك، فإن هذا التحول يواجه تحديات واضحة، إذ ستسعى إيران وإسرائيل إلى احتواء أو إعاقة هذا المسار، بينما تواصل واشنطن متابعة التطورات عن كثب خشية أن يقلل ذلك من نفوذها. ومن هنا، فإن نجاح الاتفاقية يعتمد بشكل أساسي على قدرة الرياض وإسلام آباد على تحويل التعاون إلى واقع عملي، عبر التدريبات المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير الصناعات الدفاعية، بدل الاقتصار على الوثائق السياسية فقط.
تكمن أهمية الاتفاقية في رمزيّتها بقدر ما تكمن في محتواها. فهي ترسل رسالة لإيران مفادها أن السعودية تمتلك حلفاء عسكريين أقوياء، وللولايات المتحدة مفادها أن المملكة لم تعد مرتبطة بالحماية الغربية أحادية الجانب. وعلى عكس نماذج التعاون السابقة، يقوم الاتفاق على فكرة أوسع للدفاع المشترك والتكامل الاستراتيجي طويل الأمد.
والسؤال الحاسم للمستقبل هو كيف ستشكّل هذه الدينامية متعددة الأقطاب أمن الخليج. فالاتفاق يمثل نقطة تحوّل: لم تعد بنية الدفاع الإقليمية تُحدد فقط بحضور الولايات المتحدة، بل من خلال توازن قوى أكثر تعقيدًا حيث تؤثر عدة فاعلين – من باكستان والصين إلى إيران والولايات المتحدة – في آن واحد على مسار الأحداث.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
