قسم الدراسات والتحليل السياسي – شبكة المدار الإعلامية الأوروبية
بروكسل، 5 نوفمبر اشرف دكتور هشام عوكل
في ظل التحوّل الجيوسياسي المتسارع، لم تعد أوروبا قادرة على البقاء في دائرة التأثير الغربي المُطلقة. فالتنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة من جهة، والتحالف الصاعد بين الصين وروسيا من جهة أخرى، قد أعاد رسم خريطة المصالح، ودفع الاتحاد الأوروبي إلى مواجهة حقيقية مع مصيره كقوة مستقلة. ورغم تأكيدات بروكسل على “السيادة الاستراتيجية”، فإن واقع التبعية الأمنية لأمريكا والتداخل الاقتصادي مع الصين يضع أوروبا في صراع وجودي داخلي، لا يقل خطورة عن الصراع الخارجي.
تستعرض هذه الدراسة هذا التوتر عبر ثلاثة محاور رئيسية:
(1) الانقسام الداخلي في الرؤية الأوروبية،
(2) الاعتماد المزدوج: طاقة روسية سابقة وتقنية صينية حالية،
(3) التحدي النووي ومستقبل الأمن الأوروبي الذاتي.
المحور الأول: انقسام أوروبي عميق في تعريف “العدو”
لا يوجد إجماع أوروبي على طبيعة التهديد الاستراتيجي. فبينما تنظر دول أوروبا الشرقية (مثل بولندا وليتوانيا) إلى روسيا باعتبارها الخطر الوجودي الأول، ترى دول جنوب أوروبا (مثل إيطاليا واليونان) أن الهجرة غير النظامية والاستقرار في شمال إفريقيا هما الأولوية. أما ألمانيا وفرنسا، فتركّزان على الصعود التكنولوجي–الاقتصادي للصين كتهديد طويل الأمد.
هذا الانقسام انعكس في سياسات الاتحاد. ففي عام 2023، رفض البرلمان الأوروبي تصنيف الصين كـ”منافس نظامي” بشكل قاطع، واكتفى بعبارة “شريك، منافس، منافس نظامي” — وهي صيغة غامضة تعكس العجز عن اتخاذ موقف موحد. وفي المقابل، دفعت الحرب في أوكرانيا أوروبا إلى الالتفاف حول أمريكا، لكن دون أن تبني بديلًا أمنيًّا مستقلاً. النتيجة: أوروبا لا تملك استراتيجية خارجية متماسكة، بل ردود أفعال متقطعة.
المحور الثاني: الاعتماد المزدوج — بين طاقة الأمس وتقنية الغد

قبل 2022، كان الاتحاد الأوروبي يعتمد على روسيا في 40% من واردات الغاز. وبعد قطع هذا الشريان، سارعت أوروبا إلى إبرام صفقات مع أمريكا وقطر، لكنها في الوقت نفسه عززت اعتمادها على الصين في سلاسل التوريد التكنولوجية. فاليوم، تأتي 65% من الألواح الشمسية و80% من البطاريات ونسبة كبيرة من أشباه الموصلات من الصين.
هذا الاعتماد الاقتصادي يُحدّ من قدرة أوروبا على فرض عقوبات فعالة على بكين، كما فعلت مع موسكو. ففي مايو 2024، تراجعت المفوضية عن فرض رسوم مكافحة إغراق على السيارات الكهربائية الصينية بعد ضغوط من ألمانيا، التي تخشى انتقام بكين ضد صناعة السيارات الألمانية. هذا التناقض — الحزم مع روسيا، والمرونة مع الصين — يكشف أن المصالح الاقتصادية لا تزال تتفوق على القيم الجيوسياسية في العواصم الأوروبية.
المحور الثالث: الأمن النووي ووهم “السيادة الدفاعية”
يُعدّ السلاح النووي الأمريكي في أوروبا (الموجود في 6 دول أوروبية عبر نظام “المشاركة النووية”) العامل الحاسم في ردع روسيا. لكن هذا الاعتماد يُفقِد أوروبا أي استقلال استراتيجي حقيقي. وفي الوقت نفسه، ترفض فرنسا (العضو النووي الوحيد في الاتحاد) مشاركة ردعها مع الحلفاء الأوروبيين، بينما ترفض ألمانيا امتلاك سلاح نووي خاص بها.
أما الصين، فتعزز من قدراتها النووية بسرعة، وتختبر صواريخ عابرة للقارات قادرة على تجاوز أنظمة الدفاع الأمريكية. ورغم التحذيرات المتكررة من البنتاغون، فإن أوروبا لم تطوّر بعد استراتيجية نووية جماعية، بل تكتفي بالاندماج في المظلة الأمريكية.
هذا الواقع يضع سؤالاً وجوديًّا: كيف يمكن لأوروبا أن تتحدث عن “السيادة” وهي غير قادرة على حماية نفسها دون إذن من واشنطن؟
خاتمة: بين الحياد والاختيار القسري
أوروبا اليوم ليست في موضع “الحياد” — بل في مرحلة تأجيل اختيار قسري. لكن هذا التأجيل لن يستمر. فمع تصاعد التوتر بين أمريكا والصين، وازدياد العقوبات التقنية، واحتمال اندلاع نزاعات جديدة في بحر الصين أو تايوان، سيُجبر الاتحاد الأوروبي على اتخاذ موقف: إما أن يعمّق تحالفه مع أمريكا، ويقطع جسوره الاقتصادية مع الصين، أو أن يسعى لبناء قطب ثالث مستقل — وهو خيار يتطلب إرادة سياسية لم تظهر بعد.
وفي غياب هذه الإرادة، ستبقى أوروبا ساحة للمنافسة بين القوى العظمى، لا لاعبًا مستقلاً يُحدّد شروط اللعبة.
🔗 https://www.consilium.europa.eu/en/publications/strategic-review-2024/
المصدر: تقرير المراجعة الاستراتيجية – مجلس الاتحاد الأوروبي، 2024
🔗 https://ecfr.eu/publication/europes-china-dilemma-2024/
المصدر: معهد السياسة الخارجية الأوروبي (ECFR)، سبتمبر 2024
