الأربعاء. فبراير 25th, 2026
0 0
Read Time:2 Minute, 55 Second

عمر فارس
شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ليس المقصود بهذا السؤال شتيمة عابرة أو انفعالاً لغوياً، بل توصيف حالة فكرية تتكرر كلما طُرحت قضية فلسطين في النقاش العام. فعندما يتعلق الأمر بسياسات اسرائيل، يبدو أن بعض المفكرين الذين عُرفوا بجرأتهم في نقد السلطة، وبدفاعهم المستميت عن حقوق الإنسان في أماكن أخرى، يفقدون فجأة اتساقهم النقدي، ويتبنون خطاباً يبرر ما كانوا يرفضونه في سياقات مختلفة. فهل هو غباء فعلاً؟ أم أننا أمام ازدواجية معايير متجذرة في البنية الثقافية والسياسية الغربية؟
أول ما يلفت النظر هو الإطار الأيديولوجي المسبق الذي يُقدَّم من خلاله الصراع. في الخطاب السائد، تُصوَّر اسرائيل باعتبارها «ديمقراطية محاطة بالتهديدات»، ويُختزل المشهد في معادلة أمنية صرفة: دولة تدافع عن نفسها في مواجهة أخطار دائمة. ضمن هذا الإطار، يتم تهميش الأسئلة المتعلقة بالاحتلال، والاستيطان، وحقوق الشعب الفلسطيني، بينما يُمنح مفهوم «الدفاع عن النفس» حصانة أخلاقية شبه مطلقة. المفكر الذي يقبل هذا الإطار دون مساءلة لا يبدو جاهلاً، بل مندمجاً في سردية جاهزة تحدد له ما يجوز التفكير فيه وما يجب تجاهله.
العامل التاريخي يلعب دوراً بالغ التأثير. ما جرى في أوروبا خلال الهولوكوست ترك جرحاً عميقاً في الوعي الغربي، وأنتج حساسية مشروعة تجاه معاداة السامية. غير أن هذه الحساسية تحولت في بعض الأحيان إلى حاجز يمنع أي نقد سياسي لاسرائيل، وكأن الدولة المعاصرة امتداد مباشر للضحايا التاريخيين. هنا يحدث خلط خطير بين اليهودية كدين وهوية، وبين سياسات دولة محددة. وعندما يُختزل النقد السياسي في تهمة أخلاقية، يتراجع النقاش العقلاني ويحل محله الخوف من الوصم والإقصاء.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل تأثير موازين القوى السياسية والإعلامية. في الولايات المتحدة وأوروبا، يتقاطع الدعم لاسرائيل مع تحالفات استراتيجية ومصالح عسكرية واقتصادية. بعض المفكرين يعملون ضمن مؤسسات أكاديمية أو إعلامية لا ترحب بخطاب نقدي حاد تجاه اسرائيل، مما يجعل الصمت خياراً آمناً، أو يدفع إلى تبني خطاب متوازن ظاهرياً لكنه منحاز فعلياً. المسألة هنا ليست نقصاً في الذكاء، بل إدراك لكلفة الموقف في بيئة لا تتسامح كثيراً مع الخروج عن الإجماع.
لكن الأخطر من كل ذلك هو الانتقائية الأخلاقية. المفكر نفسه الذي يدين الاحتلال أو القمع في أماكن أخرى، قد يستخدم لغة مختلفة تماماً عند الحديث عن فلسطين. فجأة تصبح القوة «ضرورة أمنية»، ويصبح القصف «رداً مشروعاً»، وتُختزل حياة المدنيين في أرقام بلا سياق إنساني. هذه الازدواجية تكشف أن المعايير ليست ثابتة، بل تتغير بحسب هوية الفاعل السياسي وموقعه في شبكة التحالفات الدولية.
ومع ذلك، من الضروري التأكيد أن المشهد ليس أحادياً. هناك استثناءات واضحة ومشرفة بين المفكرين والأكاديميين والصحفيين الذين يرفضون هذه الازدواجية، ويتمسكون بمبدأ عالمي لحقوق الإنسان لا يستثني أحداً. هؤلاء يثبتون أن النقد ممكن، وأن الدفاع عن الفلسطينيين لا يتناقض مع رفض معاداة السامية، وأن الاتساق الأخلاقي ليس وهماً. وجودهم يؤكد أن المشكلة ليست في الغرب ككل، بل في تيار مهيمن يفرض منطقه على المجال العام.
إذن، لماذا يبدو بعض المفكرين «أغبياء» عند الحديث عن اسرائيل؟ لأنهم يعلقون أدواتهم النقدية مؤقتاً، ويستبدلون التحليل العميق بسرديات جاهزة، ويخضعون لضغوط الخوف أو الذنب أو المصلحة. الغباء هنا ليس نقصاً في القدرة العقلية، بل تعطيلٌ للاتساق الفكري، وتنازل عن مبدأ كانوا يدافعون عنه في سياقات أخرى.
السؤال الحقيقي ليس توجيه الإهانة، بل استعادة المعيار الأخلاقي. إذا كانت حقوق الإنسان عالمية، فهي لا تتجزأ. وإذا كان الاحتلال مرفوضاً في أي مكان، فهو مرفوض في كل مكان. وعندما يعود النقاش إلى هذا الأساس البسيط، يصبح الحديث عن فلسطين حديثاً عن العدالة والكرامة الإنسانية، لا عن الاصطفاف الأعمى أو الحسابات السياسية.
في النهاية، النقد الجاد لا يقوم على الشتائم، بل على كشف التناقض. وعندما يُكشف التناقض بوضوح، لا يعود السؤال: لماذا يصبح بعض المفكرين أغبياء؟ بل يصبح: لماذا يقبلون لأنفسهم ما لا يقبلونه لغيرهم؟
شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code