شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_ تسعى مبادرة شعبية جديدة إلى تقديم الدستور الفدرالي السويسري على القانون الدولي. فكيف تقوم الدول الأخرى بتنظيم العلاقة بين القانون الوطني والقانون الدولي؟ فيما يلي نظرة عامة على الموضوع. في أجواء اتسمت بالحدة، ناقش مجلس الشيوخ السويسري (الغرفة العليا للبرلمان) يوم الأربعاء 30 مايو الجاري المبادرة الشعبية التي تسعى إلى تقنين العلاقة بين القانون الوطني والقانون الدولي (انظر الإطار المصاحب). ويتسم الوضع القانوني الساري حالياً في سويسرا بالضبابية حيث يُفتقر إلى وجود مادة تنظم التعارض بين القانونين. كما أن المحكمة الفدرالية تمنح الأولوية للقانون الدولي بصورة متزايدة، مما حدا بحزب الشعب السويسري (يمين شعبوي) لإطلاق “مبادرة حق تقرير المصير” التي تُطالب بمنح الأولوية للقوانين الوطنية على حساب التشريعات الدولية.ولكن، كيف تقوم الدول الأخرى بتنظيم العلاقة بين القانون الدولي والقانون الوطني؟ لاستيضاح هذه المسألة، قامت وزارة العدل الفدرالية بإصدار تقرير، تعرض swissinfo.ch فيما يلي فكرة عامة عما ورد فيه:
في ألمانيا يُقدم القانون الدولي على القوانين الوطنية، باستثناء واحد فقط: فالاتفاقيات الخاصة بالقانون الدولي والتي تنظم العلاقات السياسية لألمانيا أو التي تختص بمسائل التشريع الفدرالي، تحتاج إلى “قانون الموافقة”. ما يعني أن هذه الاتفاقيات ليس لديها أولوية، بل إنها تحتل نفس مرتبة أي قانون ألماني اعتيادي. ومنها على سبيل المثال الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان. إلا أن قانون المجموعة الأوربية ـ أي القانون الأوروبي بمعناه الدقيق ـ يحظى بالأولوية في مقابل القانون الألماني.على الجانب الآخر، تتمتع الاتفاقيات الدولية في فرنسا بقوة قانون أكثر من القوانين الفرنسية ذاتها ـ طالما التزمت أطراف الاتفاقيات الأخرى بنص الاتفاق. إلا أن ما يُختلف عليه هو ما إذا كان القانون الدولي يحظى بمرتبة أعلى من الدستور الفرنسي أم لا. ولا نجد إجابة شافية على هذا السؤال لا في الدستور نفسه ولا في الأحكام القضائية أو في الأسس العلمية التي تستند إليها. فالمحكمة الدستورية والمحكمة الإدارية العليا ترغبان في إعطاء الدستور الفرنسي الأولوية مقابل القانون الدولي.أما القانون الأوروبي فهو مُقدم ـ طبقاً للأسس العلمية للتشريع الفرنسي وللأحكام القضائية ـ على القوانين الوطنية. وإذا ما حدث تعارض بين القانون الأوروبي وبين الدستور الفرنسي فينبغي حينها تعديل الدستور الوطني.ولا تملك بريطانيا دستوراً مكتوباً. وتتحول الاتفاقيات الخاصة بالقانون الدولي إلى قوانين وطنية، ومن ثَمَّ تتمتع بنفس مرتبة القوانين “الاعتيادية”. وحده القانون الأوروبي يحظى بأولوية تفوق القوانين الأخرى.وتتسم الولايات المتحدة الأمريكية بالتشكك حيال القانون الدولي بصفة عامة. ولا يمكن استكمال أو تعديل أو تقليص الدستور الأمريكي من خلال القانون الدولي بأي حال من الأحوال. أما فيما يتعلق بأولوية ترتيب القوانين الفدرالية والإتفاقيات الدولية فإن هذا الأمر غير محسوم بوضوح. فطبقاً للأحكام القضائية يمكن للبرلمان إصدار قانون يتعارض مع القانون الدولي ـ مما يترتب عليه إعطاء الأولوية لهذا القانون الوطني.إلا أن القانون الدولي مُقدم على قوانين الولايات المنفردة ـ مثلما هو الحال في القانون المحلي الخاص بالكانتونات في سويسرا. ولكن بالنظر إلى أن آليات الديمقراطية المباشرة لا توجد في الولايات المتحدة إلا على مستوى الولايات، لذلك فإن مسألة سريان المبادرات الشعبية التي تتناقض مع القانون الدولي لا تتم بنفس الطريقة التي تحدث بها في سويسرا.وترفض المحاكم مراراً وتكراراً تطبيق القانون الدولي مُشيرةً إلى القانون الوطني، بل وحتى إلى قانون الولايات نفسها. ولا يعتبر المجلس الأعلى للقضاء أحكام المحكمة الدولية ملزمة. وفي السويد يجب تحويل الاتفاقات الدولية (باستثناء بعض أجزاء من القانون الأوروبي) إلى قانون وطني أو إلى لائحة ـ وينطبق هذا على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان نفسها. ومن ثَمَّ تحتل تلك الاتفاقية نفس مرتبة القانون الاعتيادي أو اللائحة.وإذا ما حدث تعارض فإن الأولوية تكون للقانون السويدي. ولا تحظى الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان بأولوية إلا في حالة التناقض الواضح. وهذا ما لا يحدث في الواقع العملي أبداً، لأن البرلمان لا يقوم من الأساس بإصدار تشريعات تتناقض مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.أما القانون الأوروبي فهو مُقدم على القوانين السويدية. إلا أن العلاقة بين القانون الأوروبي والدستور السويدي محل خلاف. وبينما ترى الحكومة أن الأولوية تكون للدستور السويدي، إلا أنه طبقاً للتقرير الذي صدر بتكليف من وزارة العدل الفدرالية، فإنه من المرجح ألا ترفض المحاكم السويدية تطبيق القانون الأوروبي بسبب تعارضه مع الدستور الوطني.كذلك في الهند يجب تحويل القانون الدولي إلى مرسوم وطني، ومن ثَمَّ يتخذ نفس مرتبته. إلا أن الهند قامت في الماضي بعقد العديد من الاتفاقيات الدولية، بدون تحويلها إلى قانون وطني. ويحاول القضاة التخفيف من هذا الوضع، وذلك بالرجوع إلى هذه الاتفاقيات وتأويلها. الخلاصة: لا توجد دولة من الدول التي تناولتها الدراسة تعطي القانون الدولي الأولوية المطلقة. ويعبر واضعو التقرير عن هذا الوضع كما يلي: “فيما يتعلق بمسألة الأولوية، فإنه لا توجد لائحة واحدة ضمن القوانين الدستورية محل الدراسة، تعطي الأولوية المطلقة لتطبيق القانون الدولي بصورة ‘آلية’ “.
وهذا ما يعضد رأي مؤيدي “مبادرة حق تقرير المصير”. فأصحاب المبادرة يحتجون بأن تقديم القانون الدولي على القانون الوطني السويسري بصفة عامة ـ وهو الأمر الذي يقره كل من الحكومة والبرلمان والمحكمة الفدرالية ـ إنما هو أمر فريد من نوعه إذا ما قارناه بدول العالم. من ناحية أخرى، فإن معارضي المبادرة يرفضون هذه المقارنات الدولية “المقتضبة”.لهذا بالفعل تعتبر سويسرا ذات وضع خاص من ثلاث نواحٍ:
أولاً: الديمقراطية المباشرة. حيث كتب واضعو التقرير: “إن المشكلات التي نشأت في سويسرا في إطار الديمقراطية المباشرة، لا يوجد لها مثيل في الدول التي قورنت بها، لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة”.وتحديداً فإن الوضع يتعلق بالمبادرات الشعبية التي تتناقض مع القانون الدولي. فمثلاً منع بناء المآذن لا يمكن أن يتوافق مع الحرية الدينية التي نصت عليها عدة اتفاقيات دولية ـ وحتى الآن لا توجد أحكام قضائية بهذا الشأن. فقط في حالة تعارض إحدى المبادرات الشعبية مع قانون دولي مُلزم، أو في حالة عدم الالتزام بوحدة الشكل والمضمون، فيمكن حينها رفض تلك المبادرة واعتبارها باطلة من البداية. وهذا نادراً ما حدث حتى الآن.
ثانياً: الافتقار إلى القضاء الدستوري: لا تمتلك سويسرا محكمة دستورية، من شأنها مراقبة مدى توافق القوانين الجديدة مع الدستور.لذلك فإن المحاكم يجب عليها تطبيق القوانين الفدرالية المتعارضة مع الدستور. وتقوم المحكمة الفدرالية بالتخفيف من هذا الوضع، بعدم تطبيق القوانين الدستورية التي تتعارض مع الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان. ولأن حقوق الإنسان والحقوق الأساسية تتطابق من الناحية العملية مع بعضها البعض، فقد أسفر ذلك عن “قضاء شبه دستوري” في مجال حقوق الإنسان. بذلك تولي سويسرا الحفاظ الدولي على حقوق الإنسان أهمية أكبر مما تفعله دول أخرى. إلا أن “القضاء شبه الدستوري” هذا قد يختفي، إذا ما انسحبت سويسرا من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ـ وهو ما يخشاه معارضو مبادرة حق تقرير المصير
ثالثاً: سويسرا ليست عضواً في الاتحاد الأوربي. لذلك فإن سويسرا ليست معنية (إلى الآن) بأولوية تقديم القانون الأوربي على القانون الوطني. وجدير بالذكر أن الاتفاقيات الثنائية مع الاتحاد الأوربي من شأنها تنظيم تلك الأجزاء من القانون الأوروبي التي تسري على سويسرا أيضاً. وهناك خطة حالياً لعقد اتفاق إطاري مع الاتحاد الأوروبي، والذي يهدف إلى ربط الاتفاقيات الثنائية بعضها ببعض، بحيث لا يتوجب إعادة التباحث مع سويسرا بشأن كل تعديل في القانون الأوروبي، بل يتم تبنيه من قِبل سويسرا بصورة “ديناميكية”. وإذا لم تفعل سويسرا ذلك، فإنه يُتوقع أن يتخذ الإتحاد الأوروبي إجراءات مضادة حيالها.
Swi
