الخميس. مارس 12th, 2026
0 0
Read Time:6 Minute, 6 Second

مازن أكثم سليمان

شبكة المدار الإعلامية الأوربية …_يرى الدّكتور سعيد يقطين في كتابه “الفكر الأدبيّ الغربيّ – البنيات والأنساق” أنَّ القول بموت النَّقد، أو بموت الأدب، أو أنَّهُما في خطر، وما شابه ذلكَ من التّعابير التي بدأتْ بالظُّهور منذ أواخر التِّسعينيّات، وحتّى قبلَها، مثل الحديث عن نهاية التّاريخ ونهاية الأيديولوجيا وموت المُؤلِّف، لا يعني أنَّ الأفكار الأدبيّة السّائدة “خاطئة”، وعلينا الدُّخول في تفكير “صائب” في الأدب.إنَّ معيار “الخطأ” و”الصَّواب” في التَّفكير والمُمارَسة، ليسَ سليماً في رأي المُؤلِّف، فعمليّة التَّفكير في أيِّ موضوع، ومنها عمليّة ظُهور “الفكر الأدبيّ” هي وليدة صيرورة تتحقَّقُ فيها تراكُمات قابلة للتَّحوُّل، وكُلَّما ظهرَتْ حقبة جديدة بدأَتْ بالتَّحقُّق، كان لزاماً على التَّفكير أنْ يأخذ بأسباب التَّحوُّل، وينخرط في مواكبته وفق المُستجدّات والضَّرورات الجديدة، وبناءً على ذلكَ تتغيَّرُ الأسئلة، وتتجدَّدُ آليّاتُ التَّفكير تبعاً لما تحملُهُ التَّحوُّلات من مُعطيات جديدة.

مَعالِم الفكرِ الأدبيّ الغربيّ

يذهب يقطين إلى الاعتقاد أنَّ الفكر الأدبيّ الغربيّ قد انتقلَ في مسيرته، منذ أقدم العصور إلى الآن، عبرَ أربع حقب كُبرى، هيَ:

1- حقبة البويطيقا (فنّ الشِّعر) والفلسفة:وهيَ الحقبة التي بدأت مع اليونان القديم، ونظرت إلى الشِّعر بوصفه الجنس الجامع للأجناس المُعترَف بها، وكان الفكر الفلسفيّ مُنطلق فهم الأدب والأدبيّة. 

2- الحقبة الوضعيّة والنَّقد العلميّ:وهيَ الحقبة التي سادَتْ منذُ القرن التّاسع عشر، وارتبطَ فهمُ الأدب بالنَّقد العلميّ، ودراسة الأدب من الخارج، والانزياح من سُلطة الفلسفة على الأدب إلى علاقة الأدب بمُختلف العلوم الإنسانيّة، ولا سيما علم النَّفس وعلم الاجتماع وعلم التّاريخ.ولقد تعامَلَتْ هذه الحقبة مع الأدب باعتباره “وثيقة” تحمل “معلومات” ينبغي استخراجُها، ضمن خلفيّة “وضعيّة” مُستعارَة من العلوم الإنسانيّة، ولهذا كانت الاختصاصات التي اهتمَّت بالأدب تتحقَّق من خارجه بوصفه “تيمات”.

3- حقبة البنيويّة والعلم الأدبيّوهيَ الحقبة التي بدأت مع اللِّسانيّات والشَّكلانيّات ودراسة الأدب من الدّاخل.لقد تعامَلَتْ هذه الحقبة مع الأدب باعتباره “معماراً” أو بناء له مُنطلَق يجب الكشف عنه، ضمن الاستفادة من تطوُّر العلوم، وتطبيق هذه العلوم على الأدب مُباشَرَةً، فتتمُّ دراستُهُ من الدّاخل بوصفه “بنيات” لها خصوصيتِها، وعلى هذا النَّحو تمَّ الانتقال من الدِّراسة السِّياقيّة الخارجيّة إلى الدِّراسة البنيويّة الدّاخليّة، ومن مفهوم “النَّقد الأدبيّ” إلى مفهوم “العلم الأدَبيّ”.

4- حقبة ما بعد البنيويّة “نظَريّة الأنساق”: وفيها تبلورت سيطرة “النَّظَريّة العامّة للأنساق” بوصفِها تطوُّراً عرفته السّرديّات والسّيموطيقا الحكائيّة كامتداد للحركة البنيويّة، وقد ترافقَ الانتقال إلى حقبة ما بعد البنيويّة، وتبلور النَّظَريّة العامّة للأنساق، بصُعود نجم “التّكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتَّواصُل”.تتعامَلُ هذه الحقبة مع الأدب باستعادة “البُعد الوثائقيّ” له، الذي يتجلّى في عناصر خارجيّة عنه، ولكنْ من منظور يُراعي منطق معماريته الخاصّة، ويُمكن نعت هذه الحقبة بـِ “النَّسقيّة” لأنَّها حاوَلَتْ تجاوُز المرحلة البنيويّة إلى ما بعدها، بالانتقال من “البنيات” إلى “العلاقات”، حيث حلَّت “العلاقات” مكان ثنائيّة “الدّاخل – الخارج”، فاتحة قراءة الأدب على مسارات جديدة تواكب تحوُّلات الإنتاج الأدبيّ مع العصر الرَّقميّ الذي نعيشُ إرهاصات تكوُّنِهِ.
المُنعطَف الجديد في الفكرِ الأدبيّ العالميّ

منذ نهايات التسعينيّات في القرن العشرين وبدايات الألفيّة الجديدة، بدأت تتعالى بعض الأصوات في الغرب تنادي بالقول: إنَّ الأدب في أزمة، وبأنَّهُ في خطر، ووجدت لها بعض الأصداء في الوطن العربي، وتمَّ التَّجاوب عربيّاً مع الصَّيحات الغربيّة بالعمل على إنهاء حقبة البنيويّة التي عُرِفَتْ في السّاحة العربيّة منذ الثّمانينيّات، وبدأت عمليّات التّفكير في ما بعد البنيويّة، ولا سيما بظهور النَّقد الثَّقافيّ.
لكنَّ الفرق بين الغرب والعرب في اعتقاد المُؤلِّف، أنَّ صيحات الغرب وأسئلتهِم حول الأدب والنَّقد، والقول بموت حقبة مُعيَّنة، وبولادة حقبة أُخرى، هي نتاج صيرورة بنيويّة/ نسَقيّة، وتراكمات معرفيّة قابلة للتَّحوُّل، وهيَ آليّات مُجاوِزة لمعايير ثنائيّة “الصّواب” و”الخطأ”.إنَّ الصَّيحات الأوروبيّة والأميركيّة جاءت في نطاق تحوُّل جذريّ بدأت ملامحه تظهر في أواسط الثّمانينيّات في أميركا تحديداً، مع ما صار يُعرَفُ بـ “عصر المعلومات” أو “العصر الرَّقميّ” أو “التّكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتّواصُل”؛ أي مع ظهور الحاسوب بوصفه وسيطاً جديداً لِـ “الإبداع” و”التّواصل” أو “التّلقّي”.يرى المُؤلِّف أنّنا عبرَ هذا المنعطف الجديد في الفكر الأدبيّ أمام نمطين محوريين من التّفكير:

أ- النَّمط التّقليديّ: وهو ينتمي إلى تحوُّلات الفكر الأدبيّ منذ القرن التّاسع العشر حتّى ثمانينيّات القرن العشرين، حيثُ كان هذا الفكر الأدبيّ التّقليديّ وليد “الثّورة الصِّناعيّة” و”الإمبرياليّة” و”اقتصاد الرَّأسمال”. وقامَ على التّصوّر الأرسطيّ للأدب الذي قوامه اللُّغة والأجناس الأدبيّة القديمة، فهو يتعامل مع “النّصّ” بوصفه “بنية لغويّة” يُدرَس كجنس أو كتيمة أو كبنية.

ب- النَّمط الجديد: وهو الذي بدأ بتأثير تكنولوجيا المعلومات منذ أواسط ثمانينيّات القرن العشرين، حيث ظهر نمط جديد من الفكر الأدبيّ انخرط روّاده بالتّقنيّات الرّقميّة، وكانت العلامات المُستعملة مُتأثِّرة بهذه التِّقنيّات المعلوماتيّة؛ أي إنَّها علامات لغويّة وغير لغويّة، ولهذا نحنُ أمام عصر معرفيّ جديد يُمكن وصفه بعصر “القوّة المعرفيّة” أو “اقتصاد المعرفة”.لقد أدّى ظُهور التّكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتَّواصُل – كما يعتقد يقطين- إلى ظُهور إبداع جديد ووسيط جديد للإنتاج والتَّلقّي، وكانَ لزاماً ظُهور أشكال وأنواع أدبيّة وفنِّيّة جديدة تتعدّى ما كان سائداً قبلَ أواسط الثَّمانينيّات التي شهِدَتْ ظُهور أوَّل (رواية) تستثمر تكنولوجيا المعلومات، وهو الأمر الذي يعني افتتاح أفق مُغاير للتَّفكير في الأدب إبداعاً وبحثاً، يتأسَّسُ على الوعي النَّسَقيّ بما هو وعي بالعلاقات.ولهذا، يرى المُؤلِّف ضرورة التحاق العرب بعصر الفكر الأدبيّ الجديد خارج إطار الانقطاعات أو التَّلفيق المُفتعَل الذي عاشه العرب في عصور الفكر الأدبيّ السّابقة، وهو يعتقد أنَّ أسئلة النّهضة العربيّة ما زالتْ مطروحة بقوّة، ويُشكِّل العصر الأدبيّ الجديد “المنعطف الجديد” فرصة أصيلة للإجابة عنها إجابات جوهريّة تتجاوَز عقبات القرون الماضية، ولذلكَ على العرب الانخراط الإيجابيّ في الثّورة الرّقميّة، وردم الفجوة الرّقميّة عبرَ تفكير جديد ورؤية عربيّة جديدة، بدلاً من الغرق في سطحيّة تفسير الواقع العالميّ الجديد تفسيرات نرجسيّة، كالقول بوحشيّة عصر ما بعد انهيار الاتّحاد السّوفييتي وسُقوط جدار برلين وهيمنة القطب الواحد، وهو العصر الذي يُوصَفُ اختزالاً بعصر “العولمة” التي هيَ مُصطلح لا يفي كما يرى المُؤلِّف بالتَّحوُّلات الجديدة في الحضارة البشريّة الحاليّة والفكر الأدبيّ فيها، مثلها مثل مُصطلحات شائعة وقاصرة كَـ “ما بعدَ البنيويّة” و”ما بعدَ الحداثة” و”ما بعدَ الاستعمار”.

ضفة ثالثة

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code