الأربعاء. فبراير 18th, 2026
0 0
Read Time:4 Minute, 26 Second

رجاء قيباش / إعلامية و باحثة في مجال التربية و الفن و الثقافة.

“الطفل الذي اقتصر تعليمه على المدرسة هو طفل لم يتعلم “

جورج سانتايانا

تعتبر التربية الإعلامية إحدى الركائز الأساسية في سيرورة بناء مجتمع المعرفة ، مما يستدعي
الارتقاء بسبل التعامل مع منهجيات و آليات تنشئة الأجيال الصاعدة على ثقافة إعلامية تعزز مهارات
الطفل و تمكنه من توظيف مكتسباته و تضمن مشاركته في مجالات حياتية يُسيرها الإدراك و التعليم
والتفكير .
لهذه الغاية ، يعد تملك المعرفة الرقمية مدخلا رئيسيا لتحقيق التنمية المستدامة ، مما يقتضي مجابهة
تحديات جسيمة تتداخل فيها عوامل سياسية و اقتصادية و معرفية و ثقافية ، تُحَتم إلزامية تنامي آليات
التربية الإعلامية و مواكبتها للفورة التكنولوجية الحالية ، لإحراز رأس مال بشري قوامه الحرية و
الديمقراطية و الحداثة و العقلانية .
فقد تعددت خطابات الإصلاح التربوي في المنظومة التربوية بالمغرب ، و كثرت الشعارات الواصفة
لملامح المنتوج التربوي المأمول ، بدءا من فاعل تربوي مبدع ، مبتكر، متجدد ، إلى متعلم متمكن من
خصائص تملك المعرفة كَحُب الاستطلاع و القدرة على الاختيار و الابتكار ، مع واجب الالتزام بقواعد
النظام التعليمي و مدخلاته و سيروراته التربوية و التعليمية ، و وصولا إلى مخرجات تحقق الديمقراطية
الابستمولوجية و الارتقاء في السلم الاجتماعي و القدرة على الولوج إلى مجتمع المعرفة ، هذا الأخير
الذي يشكل نتاج ثورات في ثقافة المعلومات و الاتصال و ما تمخض عنها من أنساق قيمية و ثقافية و
فكرية متضاربة، تحكمها ضوابط سوسيوثقافية تقنن ممارسة الحياة اليومية للأفراد في كل نواحي الحياة
الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .
بيد أنه لا يجب أن ننسى أن الإعلام شريك أساسي في التربية موازاة مع الأسرة و المدرسة ، و هذا
يستوجب يقظة وجدانية و فكرية عالية من أولياء الأمور و المدرسين على حد سواء ، مع الحرص على
الوعي بأسس التربية الإعلامية ، و التعامل مع المواد الإعلامية توظيفا و إنتاجا و ليس استهلاكا فقط
، تجنبا للسقوط في فخ “ميثوبيا” المنتج الإعلامي و وهم مواقع و تطبيقات التواصل الاجتماعي ، من
خلال مأسسة تربية إعلامية رصينة تروم انخراط الطفل في بيئته الرقمية و قدرته على التواصل الفعال

تناغما مع التحولات و المستجدات التي تعيشها مختلف ميادين العلوم والتكنولوجيا ، مع تكثيف التعلم
عبر وسائط تربوية حديثة و التوجه نحو براديغم جديد يرتكز على إدماج تكنولوجيا الإعلام و الاتصال
في التعليم .
كل ما سبق عرضه يقودنا إلى طرح السؤال التالي : هل زودنا أطفالنا ب “درع أخلاقي” و “عتاد قيمي”
يمكنهم من خوض “معركة الرقمنة ” و يقيهم من أخطارها ؟
ففي الوقت الذي حرصت فيه الدولة على ” الأمن الإعلامي” للمواطنين ، حيث ورد في الفصل 28 من
الدستور المغربي لسنة 2011 ما يلي : ” يحدد القانون قواعد تنظيم وسائل الإعلام العمومية
ومراقبتها، ويضمن الاستفادة من هذه الوسائل، مع احترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع
المغربي” ، و هذا لن يتحقق إلا في مجتمع تربوي جاهز معرفيا ، سليم ثقافيا ، متشبع بالقيم و المبادىء
الأخلاقية لتيسير إنفاذ وظائف الإعلام الاجتماعية و النفسية و الثقافية .
على النقيض من ذلك ، نجد عدة دراسات تثبت محدودية جودة المادة الإعلامية الموجهة للمتلقي
المغربي ، و نشير في هذا الصدد إلى دراسة أنجزتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، تحمل
عنوان “الأطفال والشباب والإعلام بالمغرب”، و التي توصلت إلى نتائج من بينها أن المنتجات
الإعلامية خصوصا الموجهة إلى الطفل ، تفتقر إلى أبسط شروط الأمن النفسي .
وقد أجازف بالقول ، بأن أطفالنا معرضين ” لاغتصاب فكري ” يمكن أن يفقد طفولتهم “عذريتها الثقافية
و الأخلاقية” ، فنحن نعيش في حقبة زمنية استثنائية ، تعرف “فوضى رقمية” جسيمة ، تتطور بشكل
فجائي، مع سرعة انتشار المعلومة و تباين متعاظم لوسائل الإعلام و الاتصال ، إذ أصبح الأنترنت
منشطا لأذهان أطفالنا بشكل مقلق يبعث على الخوف ، لاسيما في ظل تفشي التنمر الإلكتروني و
الجريمة السيبريانية و الهكر الأخلاقي و إفاضة الهويات الرقمية المزيفة .
يصعب أن نختلف على أن هناك حالة ” هوس رقمي ” و ” انفلات إعلامي ” يهدد سلامة أطفالنا النفسية
و الجسدية ، و يجعلهم عرضة لتفاهة بعض ” المؤثرين influenceurs les” أو “صناع المحتوى” ،
في غياب المسؤولية الأخلاقية لوسائل الإعلام ، مع العلم أن الإعلام يتميز بالقدرة على تشكيل وعي
الطفل و تغيير صوره الذهنية حول البيئة الاجتماعية المحيطة به ، و هنا يصعب استشراف مستقبل
المنتج الإعلامي الموجه للطفل في ظل تعدد المعايير الإعلامية و تفاقم مظاهر الصدام القيمي و
الخلاف الأخلاقي .
فالطفل يتقمص و يحاكي الشخصيات التي يقرأ أو يسمع عنها أو يشاهدها ، وفي غياب محتوى إعلامي
هادف يتيح له فرصا للتعلم و التعامل مع المواقف الحياتية بشكل سليم ، نجد أنفسنا أمام طفل يعاني من
اضطرابات سلوكية و اختلالات فكرية سحيقة.
و لكي نعطي مثالا شاهدا على ذلك ، عدنا إلى تفحص بعض المشاهد المأساوية التي نقلتها وسائل
الإعلام ، ليس الآن فقط ، بل منذ سنوات ، لنستشعر فظاعة الخطر الذي يهدد أطفالنا ، ففي عام 1774،
ارتفعت نِسَب الانتحار في أماكن مثل إيطاليا ولايبزيغ وكوبنهاغن و الذي بات يُعرف باسم “الانتحار
بالتقليد” (Copycat suicide) بعد صدور رواية “آلام الشاب فرتر” (The Sorrows of Young

Man Werther)، من تأليف الأديب الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته، و التي انتهت أحداثها بانتحار
البطل بسبب علاقة حب فاشلة.
كذلك إقدام الطفل الذي يبلغ من العمر تسع سنوات في قرية بإقليم “اليوسفية” بالمغرب على شنق نفسه
بحبل داخل غرفة بمنزل أسرته محاولا تقليد شخصية بمسلسل تركي يبث في إحدى القنوات المغربية.
و في حادثة مفجعة شبيهة بواقعة الطفل المغربي “ريان” الذي سقط في بئر بإقليم شفشاون ، أقدم طفل
مغربي آخر يبلغ من العمر خمس سنوات، على رمي نفسه في بئر عميق، وهو الحادث الذي أودى
بحياته.
ختاما ، يمكن الجزم على أن هذا الواقع أصبح مؤرقا للجميع و فجر نقاشا حادا و عنيفا في الآونة
الأخيرة ، و لعل ذلك ما يسمح لنا ببسط الرؤية المقترحة في هذا المقال ، و التي تستند على تبني مقاربة
وقائية جوهرها التآلف بين ثلاثية القيم و المراقبة الأسرية و السلطة التربوية .
فما أحوجنا اليوم ، و نحن في عصر”الانتفاضات الرقمية” و التحولات القيمية إلى ” عدة منهجية “
تستند إلى استراتيجيات إعلامية تنسجم مع إمكانات و ميولات الأطفال من مختلف الشرائح العمرية ، و
تتطلب تحول الطفل من مجرد متلقي إلى ناقد للمحتوى من ناحية ، و مشارك في إنتاجه من ناحية أخرى.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar