شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في قلب أوروبا، حيث تُصاغ السياسات الاقتصادية باسم العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، تكشف أحدث بيانات يوروستات عن مشهد مقلق يعاني فيه ملايين العمال من واقع الأجور المنخفضة، وسط تفاوت حاد بين الدول والقطاعات والفئات الاجتماعية.
تشير الأرقام التي نقلتها “يورونيوز” إلى أن قرابة 15% من القوى العاملة في الاتحاد الأوروبي تعيش على دخل لا يتجاوز ثلثي متوسط الأجور في بلدانهم، وهو ما يُصنف رسميًا ضمن فئة الأجور المنخفضة.
لا تقتصر هذه الظاهرة على دول بعينها، لكن حدتها تختلف من بلد لآخر. ففي بلغاريا، تصل نسبة العاملين بأجور منخفضة إلى 26.8%، تليها رومانيا بـ23.9%، ثم لاتفيا واليونان بنسب تزيد عن 20%.
أما في الضفة الأخرى من هذا التفاوت، تسجل دول مثل فنلندا والسويد وإيطاليا أدنى المعدلات، مما يعكس حالة من التوازن النسبي في توزيع الدخل هناك.
لكن رغم هذا التفاوت الجغرافي، فإن العوامل البنيوية المشتركة تتكرر في خلفية الأزمة، وعلى رأسها هشاشة العقود، وانخفاض المؤهلات التعليمية، والتمييز القائم على النوع الاجتماعي.
إحدى أبرز المفارقات التي تسلط الضوء على عمق المشكلة، هي أن النساء في أوروبا أكثر عرضة للأجور المنخفضة من الرجال، حيث تشكل الإناث 18.2% من هذه الفئة، مقارنة بـ12.5% من الذكور.
هذه الفجوة لا تفسر فقط باختلاف القطاعات التي تتركز فيها النساء، بل تكشف أيضًا عن اختلالات هيكلية في تقييم العمل وغياب العدالة في الأجور، رغم كل التشريعات التي تزعم المساواة.
كما تظهر الفئة الشابة، خصوصًا أولئك الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا، كأكثر المتضررين من هذا النظام غير المتكافئ، إذ يشكلون ربع العاملين بأجور منخفضة، ما يعكس صعوبة اندماجهم في سوق العمل بطريقة تضمن الاستقرار الاقتصادي والمهني. ويبدو أن هذه الأوضاع تسهم في تكريس التفاوت الاجتماعي منذ بداية الحياة العملية، بدل أن تفتح المجال لتحقيق الحراك الاجتماعي المنشود.
قطاع الضيافة والأغذية يُعد العنوان الأبرز لهذه الأزمة، حيث يضم أكثر من 35% من العاملين ذوي الأجور المنخفضة، متبوعًا بقطاع الخدمات الإدارية والدعم بنسبة 32%. وهذه النسب لا تعبّر فقط عن طبيعة العمل المؤقت أو الموسمي الذي يميز هذه القطاعات، بل تكشف عن استغلال ممنهج للقوة العاملة في بيئات لا توفر الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي.
نوعية العقد تُعد أحد المفاتيح الأساسية لفهم هذه الظاهرة؛ فالعاملون بعقود محددة المدة أكثر عرضة للانتماء إلى فئة الأجور المنخفضة، بنسبة تصل إلى 27.2%، مقارنة بـ12.6% فقط من العاملين بعقود دائمة.
أما التعليم، فلا يقل أهمية، حيث يظهر أن 28% من أصحاب المستويات التعليمية المنخفضة يتقاضون أجورًا متدنية، في حين تنخفض النسبة إلى 4.8% فقط بين حملة الشهادات العليا.
وكالات
