متابعة وتصوير/ مهنَّد سليمان
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_إحياءً لليوم العالمي لحرية الصحافة، نظّمت مؤسسة ليبيا للتنمية والثقافة والتدريب جلسة حوارية تحت عنوان “الإعلام الليبي بين حرية التعبير وأخلاقيات المهنة”، وذلك صباح يوم الأحد 4 مايو الجاري بمركز موارد منظمات المجتمع المدني في طرابلس حيث شهدت الجلسة حضورًا لافتًا لنخبة من الصحفيين والصحفيين والمهتمين، وطرحت خلالها عدة محاور جوهرية ناقشت واقع الصحافة في ليبيا وتحدياتها.
● حرية التعبير بين النصوص والواقع
استهلت الجلسة الكاتبة الصحفية سالمة المدنـي، رئيسة اللجنة التحضيرية لفعاليات برنامج اليوم العالمي لحرية الصحافة، مؤكدة على رمزية هذا اليوم الذي كان في السابق مجرد احتفالية رسمية، بينما أصبح اليوم منصة حقيقية لطرح قضايا جوهرية تهم الصحفيين والإعلاميين. وأشادت المدني بمبادرة مؤسسة ليبيا للجميع، ممثلة في السيد عبدالله راجح، الذي حرص بإصرار على أن يكون هذا اليوم مناسبة لتكريم الرموز الصحفية، وتقديم أوراق عمل تثري النقاش حول واقع المهنة.
وقالت المدني: “نحن هنا لنكرم زملاءنا ممن أفنوا أعمارهم في مهنة المتاعب، مهنة يفترض أن تكون رافدًا مهمًا لصناعة السياسات، عبر المتابعة والمراقبة والتوعية”. وأضافت: “رغم التحديات، يواصل الصحفيون الليبيون أداء رسالتهم المهنية، خاصة في ظل غياب الاعتراف المجتمعي بدورهم، وإقصائهم من المشهد العام خوفًا من صوتهم الحر”.
● تحديات أمنية، قانونية، ومعيشية
من جانبها، استعرضت الكاتبة الصحفية فتحية الجديدي، مديرة تحرير صحيفة الصباح، جملة من التحديات التي تعيق العمل الصحفي في ليبيا، مؤكدة أن الحديث عن حرية الصحافة يظل نظريًا في ظل قوانين مكبّلة، على رأسها قانون 72. وقالت الجديدي: “رغم أن الدستور يتضمن مواد تضمن حرية التعبير، إلا أن الصحفي ما يزال يواجه تضييقات تمس جوهر عمله، أبرزها التهديدات الأمنية، والضغط النفسي والمادي”.
وسلطت الجديدي الضوء على التحديات المعيشية التي يواجهها الصحفي، مشيرة إلى أن الوضع الاقتصادي المتردي ألقى بظلاله على قدرة الصحفيين في الاستمرار، قائلة: “الصحفيون يعانون مثلهم مثل المواطنين، وبعضهم فقدوا القدرة على تأمين احتياجاتهم الصحية الأساسية، كما حدث خلال جائحة كورونا عندما اضطروا لتوفير مستلزمات الوقاية على نفقتهم الخاصة”.
● البيروقراطية وانعدام الحماية النقابية
كما تناولت الجديدي تعقيدات البيروقراطية الإدارية التي تعرقل حقوق الصحفيين داخل مؤسساتهم، قائلة: “الصحفي في بعض الأحيان لا يُعامل كعنصر فاعل، بل يُقيد بلوائح وممارسات إدارية تحد من قدرته على الإبداع والدفاع عن حقوقه”. وأشارت إلى غياب نقابة مهنية فعالة تدافع عن الصحفيين وتوفر لهم الحماية القانونية والمهنية.
● التحول الرقمي وتحديات التقنية
وفي محور آخر، تحدثت الجديدي عن تحديات الإعلام الرقمي، مؤكدة أن العصر الحالي يتطلب صحفيين قادرين على مواكبة تطورات التكنولوجيا، والتفاعل مع أدوات الإعلام الجديد بمرونة وكفاءة. وقالت: “ما نحتاجه اليوم هو صحفي غير تقليدي، ملم بالتقنيات، وقادر على خوض سباق الرقمنة الذي يعيد تشكيل بنية الإعلام محليًا وعالميًا”.
● حق النفاذ إلى المعلومة… من المطالبة إلى الدسترة
واختتمت مداخلتها بالتأكيد على ضرورة إرساء حق النفاذ إلى المعلومة كحق دستوري لا مجرد مطلب، قائلة: “الصحفي لا يقتصر دوره على نقل المعلومة، بل عليه مسؤولية التحقق والتدقيق. غير أن غياب الشفافية، وصعوبة الوصول إلى المعلومات، تدفع كثيرين إلى الانسحاب من تغطية قضايا مهمة تحت ضغط المساومة أو التهديد مضيفة بالقول: إذا أردنا صحافة حرة حقيقية، فعلينا أن نؤمن لهذا الصحفي بيئة آمنة، قانونًا، ومهنيًا، وتقنيًا، وماديًا.
● مرارة الواقع الصحفي والإعلامي
بينما تحدث الكاتب والمستشار بالهيئة العامة للصحافة عبدالله راشد بلغة محمّلة بمرارة الواقع وأسئلته العالقة، إذ قال: كيف يمكن الحديث عن صحافة حرة ومهنية في بلد يفتقر إلى الأمن والاستقرار، ويعيش منذ أكثر من أربعة عشر عامًا في دوامة الفوضى والانقسام السياسي؟ الصحافة لا يمكن أن تزدهر في بيئة مضطربة. لا حرية ولا نزاهة دون دولة آمنة مستقرة.
وأشار راشد إلى أن الحديث عن حرية التعبير وأخلاقيات المهنة في ليبيا يبقى شعارًا معلقًا، ما لم يتم الاعتراف أولًا بأن البلاد ترزح تحت الاحتلال السياسي والأمني، قائلاً:نحن نعيش في دولة مسلوبة السيادة، محكومة بوصاية دولية منذ 2011، وتحت البند السابع الأممي. المخابرات الأجنبية تتجول من أقصى الشرق إلى الغرب، بينما القواعد العسكرية تُثبت واقعًا لا يمكن تجاهله.”
● غياب الدعم المؤسسي للإعلام والصحافة
وأضاف راشد مستنكرًا:كيف نطلب من صحافة أن تكون حرة في ظل هذا الواقع؟ أي حرية تلك التي لا تجد حماية، ولا منظومة قانونية، ولا حتى اعترافًا بوجعها؟ تقارير المنظمات الدولية، وعلى رأسها ‘مراسلون بلا حدود’، وضعت ليبيا في المرتبة 143 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الإعلام. وهذا الترتيب ليس إلا انعكاسًا مباشرًا للواقع.كما انتقد راشد الغياب التام للدعم المؤسسي للإعلام والصحافة، قائلًا:بينما تُصرف المليارات على التسلح والمواكب المصفحة، تُترك الصحافة لتواجه مصيرها وحدها، بلا دعم ولا تمويل ولا حماية.”
● القطيعة بين الصحافة والجمهور
من جانبها، وصفت الكاتبة الصحفية نجاح مصدق، رئيسة تحرير مجلة “الليبية”، حال الصحافة الليبية بالموجع، قائلة: إن هذه المناسبة ليست احتفالية بقدر ما هي وقفة عزاء في وجه صحافة ما زالت تُنتهك يوميًا. ما نعيشه اليوم هو كفاح مستمر، وصراع مع واقع سياسي ممزق، وصحفيون يعيشون تحت التهديد والرقابة والتهميش.”
وتابعت مصدق بالقول : نحن نمارس الصحافة بخجل وألم، نُحاسب على الكلمة، ونُسأل عن النوايا. لا قوانين تحمينا، ولا محاكم تنصفنا. الوصول إلى المعلومة أشبه بالمستحيل، والمسؤولون لا يجيبون إلا وفق أسئلة تُراجع مسبقًا، وأضافت:التحدي الأكبر اليوم يتمثل في القطيعة بين الصحافة التقليدية والجمهور، فالناس باتت تعتمد على ‘صحافة الشارع’، على الترند والفيسبوك، فيما يبتعد القارئ عن الصحف الورقية. المواطن أصبح ناقلًا للخبر، أحيانًا دون مصدر، مما يهدد مصداقية المعلومة ويمس بجوهر المهنة.
● غياب الإطار القانوني
وشددت على أن غياب الإطار القانوني الناظم لحرية الصحافة، وانعدام المؤسسات المستقلة التي تحمي حقوق الصحفيين، جعل من المهنة ساحة مفتوحة للانتهاكات. كما دعت إلى “إنشاء صندوق لحماية الصحفيين، بدعم من المجتمع الدولي”، مطالبة بأن لا يُكتفى بالمراقبة والتضامن، بل يجب تفعيل آليات الحماية والمساءلة، واختتمت مصدق حديثها بالقول:نحن في قلب معركة وجودية، لا نملك فيها سوى الكلمة، والصوت، والصدق. نكافح لأجل الحقيقة، رغم كل العوائق، ولن نتراجع عن رسالتنا.
● البيئة القانونية للصحافة في ليبيا “مهترئة”
خلال مشاركته في الحوارية توقف الناشط الحقوقي حميد الزيداني عند الجانب القانوني، مشيراً إلى هشاشة الإطار التشريعي الناظم لمهنة الصحافة في ليبيا. واستهل مداخلته :معتبرا أن الصحافة مرآة لسلامة المجتمع، قائلاً: “إذا كانت الصحافة بخير، فكل المجتمع بخير”. لكنه استدرك قائلاً إن واقع الحال لا يسمح بالاحتفال بيوم الصحافة العالمي، بل يدعو إلى الوقوف على التحديات والمشقات التي تواجه العاملين في هذا المجال.
وفي عرضه المعنون بـ”حرية التعبير بين النصوص الدستورية والتشريعات المنظمة”، لفت الزيداني إلى أن الحالة القانونية لمهنة الصحافة في ليبيا تكاد تكون منعدمة، قائلاً: “لا توجد بنية قانونية واضحة تحكم العمل الصحفي، باستثناء القانون رقم 76 لسنة 1972 بشأن المطبوعات، وهو نص قديم يعود لعقود مضت ولا يستوعب التطورات الراهنة.”
● المعايير الدولية ملزمة لليبيا
كذلك تطرق الزيداني إلى الالتزامات الدولية لليبيا، موضحاً أن المعايير الدولية ذات صفة مُلزمة وفقاً لحكم صادر عن المحكمة العليا في 23 ديسمبر 2013، والذي أكد سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها على القوانين الوطنية.
وأشار في هذا السياق إلى المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تنص على حق الجميع في حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك العاملين في الصحافة.
● نصوص دستورية غير مفعّلة
بدوره أوضح الزيداني أن الإعلان الدستوري الليبي تضمن نصوصاً صريحة بشأن حرية التعبير، إذ تنص المادة 7 على أن “الدولة تصون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية”، في حين تكفل المادة 8 “حرية الرأي والتعبير الفردي والجماعي”، مضيفاً أن هذه المواد يمكن أن تُقرأ على أنها تشمل حرية العمل الصحفي بكل أشكاله.
● غياب التشريع العصري… وتحديات الرقمنة
فيما أبدى الزيداني أسفه لغياب تشريع عصري ينظم العمل الصحفي بما يتماشى مع التطورات الراهنة، كالصحافة الرقمية، والصحافة الاستقصائية، والصحافة المدنية. وقال: “القانون الحالي لا يراعي تطورات المشهد الإعلامي ولا يوفر الحماية اللازمة للعاملين فيه، كما لا يضع ضوابط مهنية واضحة تحفظ توازن المهنة وأمن الدولة.”
● قوانين تقيد الحريات بدل حمايتها
وانتقد الزيداني بعض القوانين الصادرة مؤخراً، مشيراً إلى أن بعضها “ساهم في كبح جماح الصحفيين وتقييد حرياتهم”. وخص بالذكر القانون رقم 5 لسنة 2022 بشأن الجرائم الإلكترونية، قائلاً إن “بعض مواده يمكن استخدامها ضد الصحفيين بسبب غياب الاستثناءات المهنية، مما يجعل النص عاماً وشاملاً لكل من يُمارس النشر على الإنترنت، وختم الزيداني مداخلته بالتأكيد على الحاجة إلى قانون خاص يحمي الصحفيين ويضبط المهنة وفق المعايير الدولية، معتبراً أن استمرار غياب هذا الإطار القانوني يضع الصحافة الليبية في مهب المخاطر والتضييقات المتزايدة.
بلد الطيوب، 5 مايو 2025
#اليوم_العالمي_لحرية_الصحافة
