بقلم – سوزان بن نصر
كان يمكن لهذا النص أن يظل حزيناً فقط ، أن يبكي وحده في الزاوية ويكتفي .
لكنه يعود هذا المساء لا ليضيف ، بل ليشهد على أن بعض الوجع لا سياق له .
مساءات تزحف رثاث .
مساءات تسدل بأثقالها .
وأخرى تجرجر سلسلة خيباتها صوب صباحاتنا ، فتصيبها بالغصة قبل انبلاجها .
وكأنني بالوقت لم يستفق بعد.
مرتاب – دقاته – لا تحصي الشهقات ، وعقاربه لا مدافن لها !!
مربكة شهوة هذا المساء ، وحادة ..
كنصل سكين شُحذ لتوه !!
ضجيج صمته لا يلجمه ، سوي بعض من نغم قديم مهاجر ، يغرقك حتى تنضح مفاتيحه من مسام جلدك ..
فتعريك .. لتنقيك ، وتطهرك من رجس الشياطين ، ولتتوحد وإياك في رداء للملائكة !
نغم مجروح .. يفضح عليّ سخاء ، ارتباطك المهووس مع نسور سلمه ، وأيضاً “فصل ذاكرة” .
هكذا .. دونما صافرة ، وبلا – تذاكر – حجز مسبق.
هو (نغم ملتاع) .. لم يكن منّي .. ولكنه على نزق صار أنا ..!
ساقني ذات سفر إلى مراقص مجنونة ، ظننتها ( أولى ) في عمر تمردي ، وتوهمته أخير في ذيل أوجاعي وأسماعي !
وإذا به الليلة.. ذات النغم يكتسح يابسَتي بطوفان حبر ، وفوائض دمع ، ويوقظ داخلي .. أشباح الأوقات الملكومة بالنكبات .. وأتراح أجسادنا الملقاة ، في مكبات القمامة والذباب !!
فائض من وجع .. نزاحم به أيامنا الحبلى، بالأوهام المتراصة على رصيف انتظارنا ..
يستدرجنا ساعة بعد أخرى ، جثة وراء ثانية ، وشهيد فوق شهيد .. لكهف من الظلمات والصقيع ، ومدائن من القبور والطيور الموحشة .
نتسابق بخطواتنا نحوها دونما التفاتة ، لما حولها ، وما فوقها ، وما يمكنها أن تجرجره تحتها .
وكأننا نملك أوطاناً ثانية ، وأرواحاً أخرى غير التي نخسر .. !!
يقول غسان كنفاني في كتابه “أين كنت في الحرب” :
“لم يعلمني وطني إلا الخوف .
الخوف منه والخوف عليه .
أخاف كلما جنحت طائفة كبرى إلى خيار لا تستطيع المعادلة الهشة احتماله ، وأخاف من القدرة على تكرار الرهانات الباهظة ، وعدم الاتعاظ من حمامات الدم ، وقدرة اللبنانيين على المغامرة بوطنهم كأنهم يمتلكون وطناً آخر !
أخاف من موهبة استجلاب التدخلات ومحاولة الاستقواء بها ثم التحول بيادق في ألعابها .
ونحن نقول ..
لو كان ثمننا (للحرية !!) فلن يكون ما دفعناه أقل قيمة منها !
ولكنني أخشى أن يكون ثمن السراب ميلاد حديث ، وذاكرة مهجنة ، وتفاصيل مبتورة ، و(قوافل من الأشباح والأرواح) .. وحينها لن يكون ما فقدناه أهون علينا من فقد الزير لأخيه كليب !”
(لنلامس أجنحة النوتات .. فهذه ليست حربنا ) .
نُشر في الموقع الإلكتروني لصحيفة الأيام الليبية 2016
