الأحد. مارس 15th, 2026
0 0
Read Time:5 Minute, 17 Second

روبورتاج بقلم: رياض وطار

القاهرة لا تمنحك زيارتها فقط، بل تُدخلك في حوارٍ حيٍّ مع التاريخ.

في ظهيرةٍ دافئة، بدأت رحلتي من وسط البلد، متجهًا نحو محطة مترو جمال عبد الناصر.
نزلتُ الدرج بخطواتٍ بطيئة، أتأمل وجوه العابرين التي تعكس تنوّع هذه المدينة العجيبة:
شابٌّ يراجع أوراقه قبل امتحان، سيّدة تحمل أكياس الخضار، وطفلٌ يتشبّث بيد أمه كأنه يخشى أن يضيع وسط الزحام.
حين دخلت القطار، جلست قرب النافذة أراقب المحطات التي تمرّ كصفحاتٍ من كتابٍ مفتوح،
لكن الرحلة لم تكن مباشرة، إذ اضطررنا لتغيير القطار أكثر من مرة حتى وصلنا أخيرًا إلى محطة الجيزة،
كل تغيير قطار كان فرصة لأتأمل الوجوه والأماكن وأحسّ بمدى اتساع المدينة وتنوعها.
كنت أشعر أنني لا أتنقّل داخل مدينةٍ فقط، بل داخل ذاكرةٍ نابضة بالحياة،
وأن المترو ليس وسيلة نقل فحسب، بل جسرٌ بين زمنين: زمن الحداثة وزمن التاريخ الذي ينتظرني عند القرية الفرعونية.


عند خروجي من محطة الجيزة، استقبلتني نسمةٌ خفيفة تحمل شيئًا من غبار المدينة ودفء النيل القريب.
كانت اللافتة المؤدية إلى القرية الفرعونية تشير بوضوح، فتابعت السير بخطواتٍ يملؤها الفضول.
لم نصعد مباشرةً إلى القارب، بل انتظرنا قرابة عشرين دقيقة داخل قاعة صغيرة تطلّ على صفحة النيل حتى يكتمل عدد الزائرين.
كان الجو مفعمًا بالحماس، والعيون تتطلّع إلى بداية الرحلة التي وُعدنا بأنها “رحلة عبر الزمن”.


رحلة النيل داخل القرية

انطلق القارب في هدوءٍ فوق صفحة النيل، يشقّ طريقه كأنما يعبر من زمنٍ إلى آخر.
من حولي كان الزوّار يلتقطون الصور، بينما تعالت أصوات من مكبر الصوت تصحبنا في الرحلة،
تُقدَّم عبر مرشدةٍ بصوتٍ رصين يحمل نغمة مصرية محبّبة، تتخللها مقاطع تمثيلية بأصواتٍ رجالية ونسوية تجسّد ملامح الحياة في عصور الفراعنة.

على ضفّتي النهر، بدأت المشاهد المجسّدة تظهر تباعًا: كهنةٌ يؤدّون طقوسهم في المعابد، نساءٌ يعجنّ الطين لصناعة الفخار، عمّالٌ ينحتون الحجر بعزمٍ لا يعرف الكلل، وصيّادون يلقون شباكهم في مياه النيل.
كانت هذه التماثيل المتقنة تتحرك أحيانًا بخفّةٍ تُدهش العين، فتعيد للذاكرة ذلك الإبداع الذي ميّز المصري القديم في فنّه ومهنته وإيمانه بالحياة بعد الموت.

تتابعت أمامنا صور الآلهة التي شكّلت وجدان المصريين القدماء:
إيزيس رمز الأمومة والحماية، أوزوريس إله الخلود، وحورس بعينيه الحادتين اللتين تتابعاننا من بعيد كأنهما تراقبان الزمن.
كل مشهد كان يُروى بنبرةٍ درامية تُغري بالتأمل، حتى بدت الجولة وكأنها عرضٌ مسرحيٌّ عائم يمتد على سطح النيل.

شيئًا فشيئًا، اقترب القارب من مجسّد المعبد الفرعوني،
ذلك النموذج المهيب الذي يُحاكي معبد الأقصر بكل تفاصيله الدقيقة، ويقابله ممشى الكباش الذي بدا وكأنه ينتظر الزائرين ليحكي لهم أسرار الفراعنة التي لم تُكتب على جدران الحجر فقط، بل في الوجدان المصري ذاته.


المتجر وورش الإبداع

بعد الجولة بالقارب، وصلنا إلى المتجر الرئيسي للقرية الفرعونية، حيث تنتشر على الرفوف التذكارات المتنوعة: تماثيل صغيرة للآلهة القديمة، زجاجات عطور مزخرفة، أوراق بردي، بالإضافة إلى الحُلي اليدوية.

قبل أن نبدأ جولتنا بين المعروضات، طلب منا المرشد السياحي إقفال الهواتف المحمولة والكاميرات، موضحًا أن التصوير الفوتوغرافي ممنوع منعًا باتًا داخل المتجر حفاظًا على خصوصية الزوار وحماية المنتجات من النسخ أو التقليد.
كان القرار مفهوماً ومبرَّرًا، فكل قطعة معروضة هناك تحمل بصمة فنية فريدة، تستحق التأمل أكثر مما تستحق العدسة.

شخصيًا، شعرت أن هذا الأمر أعطى الزيارة بعدًا أعمق؛ إذ أجبرنا على النظر بعيوننا فقط، والتمعن في التفاصيل الدقيقة للحرف اليدوية، بدلاً من الاكتفاء بالتقاط الصور السريعة.
كانت تجربة تأملية أكثر، جعلتني أقدّر الوقت الذي قضاه الحرفيون في صناعة كل قطعة، والمهارة التي توارثوها عبر الأجيال.
بهذا التمرّد الطفيف على عادة التصوير، أصبح المتجر مكانًا للتفكير والملاحظة، وليس مجرد محطة لالتقاط الصور التذكارية.

توجّهت بعدها إلى ورشة صناعة الزجاج للعطور، حيث كان حرفي واحد يعمل خلف ألسنة لهبٍ زرقاء، يحوّل الزجاج الشفاف إلى قوارير مزخرفة بخيوطٍ ذهبية دقيقة.
كانت حركته متأنية ودقيقة، وكل قطعة تنتجها يديه تحمل لمسة فنية فريدة، تعكس المهارة التي توارثها عبر الأجيال.
وفي ورشة الحُلي، تابعت العاملات وهنّ يبدعن في تصميم أساور وعقود تحمل رموز نفرتيتي وإيزيس.
كل تفصيلة صغيرة كانت دليلًا حيًا على أن الحرفة في مصر ليست مجرد مهنة، بل تراثٌ متوارث عبر الأجيال.


زيارة المتاحف بعد الفراعنة

بعد الانتهاء من الورش، بدأنا زيارة المتاحف، وكانت تجربة غنية ومتنوعة للغاية:

في متحف جمال عبد الناصر، استعرضتُ تفاصيل حياة الزعيم وتأثيره في مصر الحديثة، من خطاباته الملهمة إلى الصور النادرة التي توثق مواقفه التاريخية.
كانت المقتنيات تشمل أوراقًا رسمية ووثائق تاريخية، بالإضافة إلى مقتنيات شخصية تعكس حياة الرجل بعيدًا عن السياسة، مثل ساعتَه ومكتبته الصغيرة.
شعرت أثناء التجول أنني أستعيد جزءًا من ذاكرة مصر المعاصرة، وأدرك كيف أن القرارات المصيرية لأحد الأفراد يمكن أن تُؤثر على حياة ملايين البشر.

ثم تابعنا الرحلة إلى متحف النوبيين، الذي أضاء حياة وثقافة أهل النوبة.
تجولت بين قاعات مزينة برسوم جدارية تصور الحياة اليومية للنوبين، من زراعة الحبوب وصيد الأسماك، إلى الاحتفالات الموسيقية والرقصات التقليدية.
كما شاهدنا أدوات منزلية قديمة، وحرفًا يدوية مصنوعة من الخشب والفخار، تعكس براعة هذه القبائل في التكيف مع البيئة الصحراوية ونهر النيل.
كل زاوية في المتحف كانت تروي حكاية صبر وإبداع، وكأن كل قطعة تحمل صوت أجداد النوبة يهمس للزائر عن تاريخهم وموروثهم الثقافي.

وأخيرًا، زُرنا متحف الفنون الشعبية، الذي يعرض الأعمال اليدوية التقليدية من مختلف مناطق مصر، بدءًا من الصعيد وحتى الدلتا.
تأملت القطع المطرّزة، الأقمشة المصبوغة يدويًا، الفخار المزخرف، والأدوات الموسيقية التقليدية التي تعكس الحياة الريفية اليومية.
كان لكل قطعة قصة؛ بعضها يحكي عن مهرجانات وطقوس، والبعض الآخر عن عادات مهن قديمة تكاد تختفي اليوم.
شعرت أن هذا المتحف لا يعرض مجرد تحف، بل يجسد حياة الناس وعلاقاتهم اليومية مع الأرض والمجتمع والفن.
كانت زيارتي لهذه المتاحف فرصة لفهم تاريخ مصر المعاصر والقديم من منظور ثقافي وإنساني، يجعل الزائر يشعر بأن كل قطعة تحمل جزءًا من هوية هذا الشعب وذاكرته الجمعية.


وجبة العشاء وختام الرحلة

مع انتهاء الجولة في هذه المتاحف، حطّت بنا الرحلة عند مطعم القرية الفرعونية.
تناولت وجبة عشاء فاخرة بينما كان الليل قد أسدل ستاره، تاركًا خلفه سكونًا هادئًا يوازي جمال ما شاهدناه طوال النهار.


تأمل الوداع

وأنا أغادر المكان، كان الغروب الأخير يرسم على صفحة النيل خطوطًا ذهبية ناعمة.
شعرت أن القرية الفرعونية ليست مجرد معلمٍ سياحيٍّ، بل جسر حيٌّ بين الأزمنة، يجعل التاريخ أقرب إلى الإنسان المعاصر.
إنها مصر التي لا تشيخ، التي تُريك حضارتها كما تُريك ابتسامتها: دافئة، مضيئة، ومليئة بالحياة.
خرجت من هناك وأنا أؤمن أن كل خطوةٍ في أرض مصر هي عبورٌ صغير في ذاكرة الإنسانية

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code