الخميس. فبراير 5th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 8 Second

بقلم: فريق التحليل السياسي – شبكة المدار الإعلامية الأوروبية

في ظلّ التحوّلات الجيوسياسية المتسارعة التي شهدها العالم خلال ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب (2017–2021)، برزت العلاقات الأمريكية–الصينية كواحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وتوترًا. وقد اتسمت سياسة ترامب تجاه بكين بطابع انفعالي، ارتجالي، وغالبًا ما افتقرت إلى رؤية استراتيجية واضحة، ما دفع العديد من المراقبين إلى وصفها بـ”القرارات المتسرعة” التي خدمت الخطاب الانتخابي أكثر من المصالح الوطنية طويلة الأمد.

الحرب التجارية: ضربة عشوائية بدل استراتيجية مدروسة

في مارس 2018، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية على واردات صينية بقيمة 50 مليار دولار، مُبرّرًا ذلك بـ”السرقة التكنولوجية” و”الممارسات التجارية غير العادلة”. سرعان ما تصاعدت الحرب التجارية، لتصل الرسوم إلى أكثر من 370 مليار دولار من السلع الصينية، في خطوة لم تُسبق في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم.

لكن ما لفت انتباه الخبراء الاقتصاديين هو أن هذه الإجراءات اتُخذت دون دراسة كافية لتداعياتها على الاقتصاد الأمريكي نفسه. فقد أدت الرسوم إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج على الشركات الأمريكية، وزيادة الأسعار على المستهلكين، بل وساهمت في تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. وبحسب تقرير صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في 2019، فإن الرسوم الجمركية كلفت الأسرة الأمريكية المتوسطة أكثر من 1,300 دولار سنويًا.

الأدهى من ذلك أن الصين، رغم تأثّرها، تمكّنت من تنويع شركائها التجاريين، وتعزيز سلاسل التوريد البديلة، بل وبدأت في تسريع خططها للاعتماد على الذات تكنولوجيًا، كما في مبادرة “صنع في الصين 2025”. أي أن القرار المتسرّع لم يُضعف بكين بقدر ما عجّل بتفكّك النظام التجاري الليبرالي الذي كانت واشنطن تُشرف عليه لعقود.

توظيف الملف التايواني كورقة ضغط… دون حساب العواقب

لم يقتصر التسرّع على الجبهة الاقتصادية، بل امتد إلى الجبهة الجيوسياسية الحساسة. ففي ديسمبر 2020، وافق ترامب على بيع أسلحة متقدمة لتايوان، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي معها، في خطوة اعتبرتها بكين “تجاوزًا صارخًا لمبدأ الصين الواحدة”. ورغم أن هذه الخطوة لاقت ترحيبًا من المحافظين في الكونغرس، إلا أنها عرّضت الاستقرار الإقليمي للخطر، وزادت من احتمالات المواجهة العسكرية في مضيق تايوان.

المشكلة أن هذه القرارات اتُخذت دون تنسيق مع الحلفاء الآسيويين، ولا حتى مع المؤسسات الأمنية الأمريكية ذاتها. وكان الهدف منها، بحسب مصادر مقربة من الإدارة السابقة، “إحراج بايدن” و”إغلاق الباب أمام أي تقارب مستقبلي” مع الصين. أي أن المصلحة الحزبية والانتخابية غلبت على الحسابات الاستراتيجية.

التناقض في الخطاب: من “صديقي شي جين بينغ” إلى “الفيروس الصيني”

ربما كان أكثر ما يُظهر طبيعة القرارات المتسرعة لترامب هو التناقض الصارخ في خطابه تجاه الصين. ففي بداية ولايته، وصف الرئيس الصيني شي جين بينغ بأنه “صديق عظيم”، وعبّر عن إعجابه بأسلوب حكمه السلطوي. لكنه سرعان ما انقلب عليه، وبدأ في تسمية فيروس كورونا بـ”الفيروس الصيني”، في خطوة استفزازية أثارت غضب بكين وانتقادات دولية واسعة.

هذا التناقض لم يكن مجرد تقلّب في المزاج، بل انعكاس لغياب رؤية متماسكة. فترامب لم يكن يملك استراتيجية شاملة للتعامل مع الصعود الصيني، بل اكتفى بردود أفعال انفعالية، غالبًا ما كانت تُعلن عبر تغريدات مفاجئة على “تويتر”، دون إشراك فرقه الأمنية أو الاقتصادية.

ما بعد ترامب: إرث من التصعيد دون خطة خروج

اليوم، وبعد خروج ترامب من البيت الأبيض، لا تزال الولايات المتحدة تدفع ثمن قراراته المتسرعة. فالعلاقة مع الصين لم تعد قابلة للعودة إلى سابق عهدها، بل دخلت مرحلة “المنافسة الاستراتيجية الشاملة”، كما وصفها الرئيس بايدن. لكن الفارق أن إدارة بايدن تحاول – على الأقل – أن تبني سياستها على التحالفات والمؤسسات، لا على التغريدات والانفعالات.

خلاصة القول، إن قرارات ترامب تجاه الصين، رغم أنها حقّقت بعض المكاسب الرمزية قصيرة الأمد، إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وتركت إرثًا من التوتر والغموض، جعل من الصعب على أي إدارة لاحقة أن تعيد بناء جسور الثقة مع بكين. وفي عالم يزداد تعقيدًا، لا يمكن للقرارات المتسرعة أن تكون بديلًا عن الدبلوماسية المدروسة والرؤية بعيدة المدى.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code