الخميس. فبراير 5th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 15 Second


بقلم: فريق التحليل السياسي – شبكة المدار الإعلامية الأوروبية

لم تكن علاقة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بروسيا مجرد ملف دبلوماسي عادي، بل كانت واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل خلال ولايته (2017–2021). فقد تراوحت سياساته تجاه موسكو بين الإعجاب الصريح بالرئيس فلاديمير بوتين، والقرارات المتسرعة التي أربكت الحلفاء الغربيين، وخلّفت فراغًا استراتيجيًا استغلّته روسيا لتعزيز نفوذها في أوروبا والشرق الأوسط.

“بوتين رجل قوي”… إشادة تثير الشكوك

منذ حملته الانتخابية عام 2016، اتسم خطاب ترامب تجاه بوتين بالتقدير غير المألوف من رئيس أمريكي. ففي مقابلة تلفزيونية شهيرة، وصفه بأنه “رجل قوي”، ورفض انتقاده حتى بعد تأكيد أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن روسيا تدخلت في الانتخابات لصالحه. هذا الموقف أثار موجة من الانتقادات داخل الكونغرس ووسائل الإعلام، ودفع إلى فتح تحقيقات واسعة حول “التعاون الروسي–الترامبي”، أبرزها تحقيق المدعي الخاص روبرت مولر.

لكن الأهم من الجدل السياسي كان تأثير هذا الخطاب على صورة الولايات المتحدة كقائد للعالم الحر. ففي قمة هلسنكي عام 2018، وقف ترامب إلى جانب بوتين وشكّك علنًا في استنتاجات أجهزة الاستخبارات الأمريكية، قائلاً: “لا أرى سببًا لقيام روسيا بذلك”. لحظةٌ وُصفت بأنها “أحد أكثر اللحظات إحراجًا في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية الحديثة”.

الانسحاب من المعاهدات: هدايا استراتيجية لبوتين

إذا كان الإعجاب الكلامي مقلقًا، فإن القرارات العملية كانت أكثر خطورة. ففي عام 2019، أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى (INF)، وهي حجر أساس في الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب الباردة. وبرر القرار بـ”انتهاكات روسية متكررة”، وهو اتهام صحيح جزئيًا، لكنه تجاهل تمامًا أن المعاهدة كانت تُشكل قيدًا متبادلًا على الطرفين.

الانسحاب من INF لم يُضعف روسيا، بل حرّر يديها لتطوير صواريخ جديدة، ودفع أوروبا إلى حالة من القلق الأمني، خاصة أن واشنطن لم تقدّم خطة بديلة لحماية حلفائها. وبالمثل، في عام 2020، أعلنت إدارة ترامب نيتها الانسحاب من معاهدة السماء المفتوحة، التي تسمح للدول بالتجسّس الجوي المتبادل لبناء الثقة. مرة أخرى، استفادت روسيا من القرار، بينما شعر الحلفاء الأوروبيون بأنهم ضحايا لعبة سياسية لا يتحكمون بها.

التناقض في سوريا: من “الانسحاب الفوري” إلى التخلي عن الأكراد

ربما كان أبرز مثال على التسرّع في التعامل مع روسيا هو الملف السوري. في ديسمبر 2018، أعلن ترامب فجأة عبر “تويتر”: “لقد هزمنا داعش، وحان وقت عودة جنودنا إلى الوطن”. القرار، الذي اتُخذ دون استشارة البنتاغون أو الحلفاء، فُسّر في موسكو على أنه تنازل أمريكي عن النفوذ في سوريا، ما مهّد الطريق أمام روسيا وإيران لتعزيز وجودهما.

والأكثر إثارة للصدمة كان قراره في أكتوبر 2019 بالانسحاب من شمال شرق سوريا، ما سمح لتركيا بشنّ هجوم على القوات الكردية – الحليف الأمريكي الرئيسي في محاربة داعش. النتيجة؟ تخلّت واشنطن عن حلفائها، وملأ الفراغ كلٌ من روسيا وتركيا، بينما عزّز بوتين صورته كـ”الضامن الوحيد للاستقرار” في المنطقة.

إضعاف الناتو: بوابة لتوسع النفوذ الروسي

لم يقتصر الضرر على السياسة الخارجية المباشرة، بل امتد إلى بنية الأمن الجماعي الغربي. فقد هاجم ترامب مرارًا حلف الناتو، ووصف بعض أعضائه بـ”المتّخذلين”، وطالبهم بزيادة الإنفاق العسكري بطريقة تهديدية. هذا الخطاب، رغم أنه يحتوي على جزء من الحقيقة، ساهم في تآكل الثقة داخل الحلف، ووفّر لبوتين فرصة ذهبية لتقديم روسيا كبديل “أكثر موثوقية” لبعض العواصم الأوروبية المترددة.

وفي الخلفية، كانت روسيا تشنّ حربًا هجينة ضد الديمقراطيات الغربية عبر التدخل الانتخابي، نشر الأخبار الكاذبة، واستغلال الانقسامات الداخلية – كل ذلك بينما كان ترامب يرفض الاعتراف بحجم التهديد، أو يقلّل من شأنه.

خلاصة: سياسة بلا بوصلة

قرارات ترامب تجاه روسيا لم تكن مبنية على تحليل بارد للمصالح الوطنية، بل على مزيج من الإعجاب الشخصي، الرغبة في “كسر المؤسسة”، وحسابات انتخابية داخلية. النتيجة؟ تقوية بوتين، إضعاف الحلف الأطلسي، وفقدان واشنطن لمصداقيتها كحامي للنظام الليبرالي الدولي.

اليوم، تدفع أوروبا والولايات المتحدة ثمن هذا التسرّع، إذ تجد نفسها في مواجهة روسيا أكثر جرأة وعدوانية، سواء في أوكرانيا أو عبر استخدام الطاقة كسلاح جيوسياسي. والدرس الأهم أن العلاقات مع قوى منافسة مثل روسيا لا تُدار بالغرائز أو التغريدات، بل بالاستراتيجية، التنسيق، والرؤية الواضحة – وهي بالضبط ما فقده عهد ترامب

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code