الخميس. فبراير 5th, 2026
0 0
Read Time:8 Minute, 11 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_يشهد الاتحاد الأوروبي جهودًا متسارعة لمكافحة التطرف الرقمي عبر الإنترنت، مرتكز على مزيج من الأدوات التشريعية المتقدمة، وآليات التنفيذ، والتدابير الوطنية المكمّلة. وتعمل الدول الأعضاء بالتوازي مع المنصات الرقمية والشركات التقنية لضمان إزالة المحتوى المتطرف بسرعة وفعالية، مع مراقبة الشبكات المالية المرتبطة بالأنشطة الإرهابية، والتركيز على الوقاية المجتمعية ومكافحة التمويل الرقمي المرتبط بالأنشطة المتطرفة. وتشمل الأطر القانونية الرئيسية Regulation (EU) 2021/784 المعروف بـ(TerReg)، وقانون الخدمات الرقمية Digital Services Act (DSA)، بالإضافة إلى التزامات حماية البيانات والخصوصية وفق GDPR.

الأطر التشريعية الأوروبية

يشكّل تنظيم (TerReg) حجر الزاوية في التشريعات الأوروبية الخاصة بمكافحة نشر المحتوى المتطرف عبر الإنترنت. وقد صدر هذا التنظيم في عام 2021 بهدف حماية المواطنين الأوروبيين من المواد الرقمية المتطرفة وغير القانونية المنتشرة على المنصات الإلكترونية. ويُلزم هذا الإطار القانوني مزوّدي خدمات استضافة المحتوى باتخاذ إجراءات صارمة وسريعة عند رصد أو الإبلاغ عن أي مادة تُصنّف إرهابية أو تحريضية.

يقضي تنظيم (TerReg) بوجوب إزالة أي محتوى إرهابي خلال مدة لا تتجاوز ساعة واحدة بعد الإبلاغ عنه أو التأكد من طبيعته المتطرفة، ما يجعل من سرعة الاستجابة عاملًا حاسمًا في مواجهة خطاب الكراهية والتجنيد الرقمي. ولم يغفل المشرّع الأوروبي جانب الشفافية، إذ أتاح للمستخدمين الحق في الاعتراض على قرارات إزالة المحتوى إذا اعتُبر قانونيًا أو لا يتضمن مخالفات، وقد تم تحديد أطر زمنية دقيقة للرد على هذه الاعتراضات بما يضمن عدم إساءة استخدام الصلاحيات الرقابية.

يُعد التعاون بين دول الاتحاد والمفوضية أحد الركائز الأساسية في تطبيق هذا التنظيم، إذ يشمل تبادل البيانات الاستخباراتية والمعلومات التشغيلية لتسهيل الإجراءات الأمنية المشتركة وتحقيق مستوى موحّد من الحماية الرقمية داخل الاتحاد الأوروبي. ويشمل التنظيم مختلف أنواع الوسائط مثل الفيديوهات، والتسجيلات الصوتية، والصور، والنصوص، مع التركيز على المواد التي تستهدف الفئات الشابة تحديدًا، كونها الأكثر عرضة للاستقطاب الرقمي.

التدابير العملية على المستوى الوطني

تتبنى ألمانيا مقاربة شاملة ترتكز على التكامل بين الشرطة الاتحادية والمنصات الرقمية ووكالة (Europol). وتشمل الإجراءات الألمانية وحدات متخصصة للتحليل الرقمي ومراقبة شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب برامج توعية تستهدف الشباب والأطفال لبناء “مناعة معرفية” ضد الرسائل المتطرفة. كما تستثمر برلين في تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المزيف وعمليات التلاعب بالصور والفيديوهات، وتعمل على مراقبة الشبكات المالية الرقمية والعملات المشفرة التي قد تُستخدم لتمويل الإرهاب.

تركز فرنسا على إيجاد توازن دقيق بين الأمن والحريات الفردية. وقد شددت القوانين الفرنسية العقوبات على التحريض عبر الإنترنت، وأقامت وحدات متخصصة لمتابعة المحتوى المتطرف، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي. كما تطبق برامج توعية رقمية تستهدف الشباب والمهاجرين، وتُدرج التعليم الرقمي في المدارس لتعزيز القدرة على التفكير النقدي ومواجهة الدعاية المتطرفة. وإضافة إلى ذلك، تطور باريس أدوات تقييم لقياس فعالية الإجراءات التشريعية والتقنية في مجال الأمن الرقمي.

تعتمد هولندا على نهج الوقاية المجتمعية والتدريب المهني لمكافحة التطرف الرقمي. وتشمل مبادراتها تدريب المعلمين والعاملين مع الشباب على اكتشاف مؤشرات التطرف المبكر، إلى جانب برامج تعليمية لتعزيز مهارات التفكير النقدي والوعي بالمخاطر الرقمية. وتتعاون هولندا مع مؤسسات أوروبية مثل (CEPOL وEuropol) لمتابعة الحالات الخطرة وتبادل البيانات مع المنصات الرقمية لتسريع إزالة المحتوى الإرهابي، كما تُولي اهتمامًا خاصًا بتحليل التمويل الرقمي المرتبط بالشبكات المتطرفة.

تركز النمسا وبلجيكا على التعاون الوثيق مع وحدة الإحالة الأوروبية (EU IRU)، عبر إنشاء وحدات وطنية متخصصة لرصد المحتوى المتطرف. وتولي هاتان الدولتان اهتمامًا كبيرًا بالتعليم الرقمي وبرامج تعزيز “المناعة المعرفية” لدى الجمهور، كما تستثمران في الذكاء الاصطناعي لمراقبة الشبكات الاجتماعية، وتعملان مع القطاع الخاص لتحديد المحتوى المولّد آليًا الذي قد يُستخدم في الدعاية المتطرفة. وتشمل الإجراءات أيضًا مراقبة التمويل الرقمي والالتزام بالمعايير القانونية لمكافحة غسل الأموال المرتبطة بالتطرف والإرهاب. 

ما طبيعة التحديات؟

تتمثل التحديات التقنية والتنظيمية في عدة جوانب مترابطة، إذ إن تطور الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق (deepfakes) يزيد من صعوبة الكشف عن المحتوى المتطرف بدقة، مما يعقّد جهود الرصد والمراقبة. كما أن التفاوت بين الدول الأعضاء في القدرات التقنية والتشريعية يخلق ثغرات يمكن استغلالها من قبل الجهات المتطرفة. وتبرز كذلك معضلة حماية الحقوق الأساسية مثل الخصوصية وحرية التعبير، التي تحدّ من قدرة السلطات على التدخل المباشر في ضبط المحتوى أو ملاحقة المتورطين. أما التعاون مع القطاع الخاص فيواجه بدوره تحديات قانونية تتعلق بمشاركة المعلومات الحساسة، خاصة في ظل القيود المرتبطة بالبيانات الشخصية.

تحتاج مراقبة التمويل الرقمي إلى أدوات تحليل متقدمة لمتابعة حركة العملات المشفرة وقنوات التمويل غير التقليدية. كما أن انتشار الرسائل المضللة عبر شبكات مجهولة الهوية، مثل تطبيقات التراسل المشفر، يزيد من صعوبة السيطرة على المحتوى المتداول. يتطلب تسريع التحديث التشريعي لمواكبة الابتكارات الرقمية تقييمًا مستمرًا وتعاونًا وثيقًا بين المؤسسات الأوروبية والدولية لضمان فعالية الإجراءات واستدامتها.

التوصيات

ينبغي أن يتم العمل على تطوير نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي قادرة على مقاومة تقنيات التزييف العميق (deepfakes) وتحليل المحتوى متعدد الوسائط، بما يشمل الصور والفيديوهات والنصوص، بهدف تعزيز دقة الكشف عن المحتوى المتطرف أو المضلل والحد من انتشاره. كما يُعتمد على الربط الفوري بين التحليل الاستخباراتي والمنصات الرقمية الوطنية والأوروبية لضمان سرعة الاستجابة وتبادل المعلومات بشكل فعال في مواجهة التهديدات الرقمية المتطورة.

إعداد مناهج تعليمية تهدف إلى تعزيز التفكير النقدي والمناعة المعرفية لدى الشباب ضد الرسائل المضللة والمحتوى المتطرف المنتشر عبر الإنترنت. كما تشمل تدريب الطلاب والمعلمين على التعرف على الرسائل الآلية وأساليب التجنيد الرقمي التي تستخدمها الجماعات المتطرفة لاستقطاب الأفراد، بما يسهم في بناء وعي رقمي مستدام ومجتمع أكثر حصانة ضد الدعاية الرقمية.

وضع بروتوكولات مشتركة لتحديد المحتوى المولَّد آليًا باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يسهل على الجهات المعنية التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزيف. كما يشمل مشاركة المعلومات بشكل آمن وسريع بين المنصات الرقمية والسلطات الحكومية، مما يعزز فعالية الاستجابة في مواجهة التهديدات. ويُضاف إلى ذلك توحيد معايير التنفيذ والتدريب من خلال ضمان اتساق تطبيق لوائح (TerReg) و(DSA) بين الدول الأعضاء، إلى جانب رفع مستوى التدريب الأمني والتقني عبر مؤسسات مثل (CEPOL) و(Europol).

توفير آليات التمويل والدعم الوقائي من خلال تخصيص تمويلات أوروبية لدعم برامج الوقاية والحملات الرقمية الرامية إلى رفع الوعي الرقمي وتعزيز الأمن السيبراني المجتمعي. كما يتم تطوير أدوات متخصصة للكشف عن التزييف العميق بالتعاون بين وكالة الأمن السيبراني الأوروبية (ENISA) والمفوضية الأوروبية، بما يضمن بناء منظومة أوروبية قادرة على رصد التهديدات الرقمية مبكرًا والتعامل معها بفاعلية. وتحسين الشفافية والبيانات عبر إلزام المنصات الرقمية بتقديم تقارير مفصلة عن المحتوى المزوَّع وإجراءات الإزالة التي تُتخذ حياله، وذلك لضمان مستوى أعلى من الشفافية والمساءلة. كما تُنشأ آليات تقييم مستقلة للتحقق من نزاهة خوارزميات الكشف عن المحتوى المتطرف أو المضلل، مما يعزز الثقة العامة في الإجراءات التقنية والتنظيمية المتبعة داخل الاتحاد الأوروبي.

تطوير قدرات الاستجابة الوطنية من خلال عمل الدول الأعضاء على إنشاء وحدات إحالة وطنية قادرة على التنسيق الفوري مع وحدة الإحالة الأوروبية (EU IRU)، لضمان سرعة التعامل مع التهديدات الرقمية العابرة للحدود. ويتم الربط بين هذه الوحدات والتحليل الاستخباراتي والتقنيات الرقمية الحديثة لمراقبة الشبكات الخطرة ومتابعة نشاطاتها المشبوهة بشكل مستمر. وتكثيف الجهود لمراقبة قنوات التمويل الرقمية والعملات المشفرة المرتبطة بالأنشطة الإرهابية أو المتطرفة، من خلال تطوير أدوات تكاملية للتحقق من مصدر الأموال ومتابعة تحويلاتها بين الدول الأعضاء. ويهدف هذا التنسيق إلى سد الثغرات المالية واستباق محاولات استغلال الأنظمة المالية الرقمية في تمويل التطرف والإرهاب.

تقييم وقراءة مستقبلية

– يستخدم المتطرفون نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة لإنتاج محتوى جذاب ومترجم آليًا، وكذلك لتصميم (deepfakes) وخطابات تزييف عميقة تبدو واقعية. هذا يشكل تحديًا مزدوجًا: زيادة سرعة انتشار الرسائل المتطرفة، وصعوبة التحقق منها. وللتصدي لذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي تطوير منهجيات تكاملية بين الذكاء الاصطناعي وأدوات التحليل الاستخباراتي، تشمل التعلم الآلي لتحليل الشبكات الاجتماعية ورصد الأنشطة المالية الرقمية المرتبطة بهذه الجماعات.

– تظل حماية الخصوصية وحرية التعبير من أكبر التحديات القانونية والسياسية. فكل تدبير أمني أو تقنية مراقبة تحتاج إلى توازن دقيق بين الأمن وحقوق المستخدمين. المستقبل يتطلب تطوير أطر قانونية مرنة ومتقدمة تسمح بالتحليل الاستخباراتي ومكافحة المحتوى المتطرف دون المساس بالحقوق الأساسية، بالإضافة إلى اعتماد آليات تقييم مستقلة لضمان نزاهة وشفافية الخوارزميات.

– من المتوقع أن يشهد العقد القادم انتشار المحتوى المتطرف على منصات ناشئة مثل تطبيقات الواقع الافتراضي (VR)، والبيئات الافتراضية ثلاثية الأبعاد (Metaverse)، ومنصات الألعاب الإلكترونية. هذه البيئات توفر خصوصية أعلى وتفاعلًا أعمق للمستخدمين الشباب، ما يجعلها أرضًا خصبة للتجنيد الرقمي. كما أن المحتوى التفاعلي يزيد من قوة السرديات المتطرفة، ويصعب على أدوات الكشف الحالية التمييز بين الترفيه العادي والتحريض على العنف. وبالتالي، تحتاج أوروبا إلى تطوير أدوات تحليل متقدمة، مزودة بالذكاء الاصطناعي، لمراقبة هذه المنصات الجديدة، مع الحفاظ على التوازن بين الخصوصية والأمن.

– من المرجح أن يصبح التنسيق بين الأجهزة الأمنية، القضائية، والقطاع الخاص أساسيًا لمواجهة التطرف الرقمي. التعاون يجب أن يشمل تبادل البيانات، التدريب المشترك، وتطوير بروتوكولات استجابة سريعة للمحتوى المتطرف، مع استخدام منصات رقمية مشتركة لمراقبة الشبكات الخطرة ومتابعة التمويل الرقمي المرتبط بالتطرف.

– بات متوقعًا أن تستمر برامج (RAN) والمبادرات الوطنية في تعزيز الوقاية المعرفية للشباب والمهاجرين، من خلال مناهج تعليمية رقمية، وبرامج تدريبية للمعلمين، وحملات توعية على وسائل التواصل الاجتماعي. كما ستتوسع برامج الوقاية لتشمل المجتمعات الضعيفة والمتأثرة بالاستقطاب السياسي والاجتماعي، ما يقلل من احتمالية الانخراط في السرديات المتطرفة.

– مع تزايد المحتوى المتطرف متعدد الوسائط، ستزداد الحاجة إلى أدوات كشف متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والتعلم العميق، وتحليل الشبكات. الهدف هو التعرف على المحتوى المولَّد آليًا أو (deepfakes) قبل انتشاره على نطاق واسع، وربطه فورًا مع الجهات التنفيذية الوطنية والأوروبية لضمان الاستجابة الفورية.

– إن توحيد تنفيذ (TerReg) و(DSA) بين الدول الأعضاء سيكون محوريًا لضمان السرعة والفعالية في إزالة المحتوى، مع توفير إطار قانوني واضح للتعامل مع المخاطر الرقمية الجديدة. ومن المتوقع أن يشمل التوحيد إجراءات قياس الأداء والتقارير الدورية لتقييم فعالية السياسات.

– مع توسع العملات المشفرة وقنوات التمويل البديلة، ستزداد أهمية مراقبة والتحليل الرقمي للتمويل المتطرف. أدوات التحليل المتقدمة والذكاء الاصطناعي ستتيح تتبع الأموال بسرعة وكفاءة، مع ربطها بالجهات الأمنية والقضائية لتسهيل اتخاذ الإجراءات القانونية. وسيكون تعزيز التعاون بين السلطات الأوروبية والقطاع المالي الرقمي أمرًا حيويًا لمنع تحويل الموارد إلى أنشطة متطرفة.

– سيصبح التطرف الرقمي حتى عام 2030، أكثر تعقيدًا وابتكارًا، مع استخدام متزايد للذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، والتقنيات المولَّدة آليًا للمحتوى. لذلك، تحتاج أوروبا إلى استراتيجية شاملة ومتكاملة تشمل: تحديث التشريعات، وتعزيز التعاون متعدد القطاعات، وتطوير أدوات تقنية متقدمة، وتوسيع برامج الوقاية، وتحسين استجابة التمويل الرقمي. الهدف النهائي هو إنشاء منظومة مرنة، متكاملة، ومستدامة لمكافحة التطرف الرقمي، قادرة على التكيف مع التطورات التقنية والاجتماعية المستقبلية.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code