الخميس. فبراير 5th, 2026
0 0
Read Time:6 Minute, 54 Second

جاسم محمد

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_يشهد الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة تحولات جوهرية في هيكلاته الأمنية والاستخباراتية، في ظل تزايد التهديدات المتنوعة التي تشمل العمليات الهجينة، التجسس، والهجمات السيبرانية، بالإضافة إلى تداعيات النزاعات الإقليمية، لا سيما الحرب في أوكرانيا. أطلقت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، مبادرات لتعزيز القدرات الاستخباراتية للمفوضية عبر إنشاء وحدة استخباراتية جديدة يوم 12 نوفمبر 2025، إلى جانب تأسيس “الكلية الأمنية” لتعزيز الوعي الأمني داخل المفوضية.

بدأت المفوضية الأوروبية خطوات عملية لتأسيس هيئة استخباراتية جديدة تحت إشراف مباشر من رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، وفقا لتقرير نشرته فايننشال تايمز في 11 نوفمبر 2025. وأكد متحدث باسم المفوضية أن “الخطة موجودة بالفعل، ولم تعد مجرد فكرة، وإن كانت لا تزال في مرحلة جنينية.” تأتي هذه الخطوات في إطار إعادة رسم موازين القوة داخل الاتحاد الأوروبي، وإعادة توزيع الصلاحيات بين المفوضية ودائرة العمل الخارجي الأوروبية، مما يفتح نقاشا حول أبعاد هذه السياسات، فرصها، وتحدياتها في سياق الأمن الأوروبي متعدد المستويات.

الهدف المعلن هو تحسين تبادل واستخدام المعلومات التي تجمعها أجهزة الاستخبارات الوطنية للدول الأعضاء، إلا أن المشروع يحمل أبعادا سياسية تتعلق بإعادة توزيع الصلاحيات داخل الاتحاد الأوروبي، إذ ينقل إحدى المهام الحساسة من مفوضية الشؤون الخارجية الأوروبية (EEAS) إلى الأمانة العامة للمفوضية.

تجريد  مفوضية الشؤون الخارجية والأمن من الصلاحيات EEAS

يعمل داخل الاتحاد الأوروبي مركز الاستخبارات ووضع المعلومات الأوروبي  (INTCEN)، التابع لـEEAS مفوضية الشؤون الخارجية الأوروبية ، تحت السلطة المباشرة للممثل الأعلى للشؤون الخارجية، حاليًا الإستونية كايا كالاس. يقوم المركز بجمع وتحليل المعلومات المقدمة طوعًا من أجهزة الاستخبارات الوطنية، ويقدّم تقارير استراتيجية لصانعي القرار في بروكسل. لكن الخطوة الجديدة من فون دير لاين تُنذر وفق مصادر دبلوماسية بـ”انتزاع” واحدة من أهم صلاحيات EEAS لصالح المفوضية، في سياق يُظهر نزعة متزايدة نحو مركزة السلطة الأمنية بيد رئيسة المفوضية. يواجه المشروع معارضة من كبار مسؤولي EEAS، الذين يخشون أن تؤدي الوحدة الجديدة إلى تكرار مهام مركز INTCEN كما لم يتم حتى الآن إبلاغ الدول الأعضاء الـ27 بالتفاصيل، رغم أن المشروع يفترض إشراك موظفين معارين من وكالات الاستخبارات الوطنية.

وقال  المتحدث باسم المفوضية، إن الوحدة الجديدة :”ستكمل عمل مديرية الأمن في المفوضية، وستعمل عن كثب مع الخدمات المعنية في مفوضية الشؤون الخارجية. وأضافت المتحدثة باسم الجهاز التنفيذي الأوروبي أن الوحدة ستكون صغيرة جدا، لا يتجاوز عدد موظفيها أصابع يد واحدة. منذ تولي كايا كالاس منصبها خلفا لجوزيب بوريل، بدأت فون دير لاين تدريجيا في تقليص نفوذ الدبلوماسية الأوروبية عبر إنشاء كيانات جديدة داخل المفوضية، مثل مديرية عامة لشؤون البحر الأبيض المتوسط والخليج، وتعيين مفوض لشؤون الدفاع، والآن إنشاء وحدة استخباراتية جديدة قد يصفه مراقبون بـ”مجلس حرب فون دير لاين”.

الهيئات المعنية بالاستخبارات داخل الاتحاد الأوروبي   

يضم الاتحاد الأوروبي هيئات متخصصة في الاستخبارات والأمن المدني والعسكري، بالإضافة إلى وحدات للأمن السيبراني وحماية المعلومات، أبرزها:

ـ الكلية الأمنية: منصة جديدة لإدارة التهديدات : تأتي الخطة الاستخباراتية بالتوازي مع مشروع “الكلية الأمنية ” (Security College)، الذي أعلنت عنه فون دير لاين خلال مؤتمر صحفي  شهر مارس 2025 بمناسبة مرور 100 يوم على عمل المفوضية الجديدة. تهدف الكلية إلى اطلاع جميع المفوضين على التطورات والتهديدات الأمنية بانتظام، وتعزيز ما وصفته فون دير لاين بـ”عقلية الجاهزية والاستعداد”. وقالت فون دير لاين: الأوقات الاستثنائية تتطلب إجراءات استثنائية، كل منطقة من مجالات عمل المفوضية يجب أن تكون مشمولة بتحليل التهديدات.” تعد الكلية منصة استراتيجية تجمع السياسيين والأمنيين لتقييم المخاطر، وتأتي الوحدة الاستخباراتية المقترحة لتكون الدعم التحليلي والمعلوماتي لهذه الكلية.” 

ـ مركز INTCEN : يعمل مركز INTCEN وفق القرار الأوروبي رقم 2010/427 تحت مظلة EEAS دون صلاحيات تنفيذية ميدانية، ويعد أداة لتحليل المعلومات لا لجمعها. ويشكل المركز مع مديرية الاستخبارات العسكرية في هيئة الأركان الأوروبية (EUMS INT) ما يُعرف بـ”القدرة الموحدة للتحليل الاستخباراتي (SIAC)”، لدمج التحليلات المدنية والعسكرية. لكن الخطوة الجديدة تثير تساؤلات حول حدود التنسيق مع INTCEN، ومخاطر التسييس أو تكرار العمل الاستخباراتي، كون أن نجاح المشروع يعتمد على وضع آليات واضحة لتبادل المعلومات وتحديد الصلاحيات المؤسسية بدقة.

المهام والوظائف: من أهم المهام والوظائف التي تقوم بها هيئة الاستخبارات الأوروبية:

⦁ تزويد مفوض الشؤون الخارجية بالمعلومات.
⦁ تقديم نظام الإنذار المبكر بالتهديدات الأمنية و العسكرية.
⦁ تقديم نظام الإنذار المبكر بالتهديدات الإرهابية.
⦁ تحليل المعلومات والبيانات الاستخباراتية.
⦁ تقييم المعلومات الاستخبارية وتقديمها لصناع القرار في الاتحاد الأوروبي كذلك الهيئات في مجالات السياسة الخارجية والأمنية المشتركة (CFSP) ، وسياسة الأمن والدفاع المشتركة (CSDP) ومكافحة الإرهاب (CT).

ـ مركز الاتحاد الأوروبي للاستخبارات ووضع المعلومات (EU INTCEN): تابع لـEEAS، يعمل على دمج المعلومات الاستخباراتية المدنية من الدول الأعضاء وتحويلها إلى تقييمات استراتيجية لصانعي القرار.

ـ مديرية الاستخبارات العسكرية الأوروبية (EUMS INT): تدعم التحليل العسكري، وتعمل مع INTCEN ضمن SIAC لتعزيز التكامل بين التحليلات المدنية والعسكرية.

ـ مديرية الأمن في المفوضية (DG For Security): تشرف على حماية المعلومات السرية والبنية التحتية للمفوضية.

ـ وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني (ENISA): تضع المعايير وتقدم الدعم الفني للدول الأعضاء لمواجهة الهجمات الإلكترونية.

ـ مكتب الاتحاد الأوروبي للشرطة (Europol): يركز على مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية الجنائية.

تستفيد هذه الهيئات من الدعم التحليلي والمعلوماتي للوحدة الاستخباراتية الجديدة، بما يعزز “عقلية الاستعداد والجاهزية” داخل المفوضية.

التحديات

ـ  تداخل الصلاحيات:  على الرغم من المبررات الأمنية لإنشاء وحدة استخباراتية داخل المفوضية الأوروبية، تواجه الخطة تحديات جوهرية قد تؤثر على مدى فعاليتها. أول هذه التحديات هو تداخل الصلاحيات، إذ أن نقل بعض المهام من مفوضية الشؤون الخارجية  الأوروبية (EEAS) إلى المفوضية قد يثير صدامًا مؤسسيًا مع مركز INTCEN، مما قد يؤدي إلى ازدواجية في جمع وتحليل المعلومات ويطرح تساؤلات حول فعالية التنسيق بين الهيئات المختلفة.

ـ  معارضة سياسية محتملة :  تواجه الخطة معارضة سياسية محتملة، حيث قد يقف كبار مسؤولي EEAS وبعض الدول الأعضاء ضد أي تحويل لصلاحيات استخباراتية تُعتبر جزءا من سيادتهم الوطنية، ما قد يحد من قدرة المفوضية على تنفيذ المشروع بشكل كامل. إضافة إلى ذلك، فإن حجم الوحدة المقترح، الذي لا يتجاوز عدد موظفيها “أصابع يد واحدة”، قد يقلل من فعاليتها على المدى الطويل، خاصة عند مواجهة تهديدات كبيرة أو متعددة الأبعاد تتطلب موارد بشرية ومهارات متخصصة واسعة. يشكل دعم الدول الأعضاء عنصرا حاسما، إذ إن قبولها بالمشاركة في المشروع وتقديم موظفين معارين يضمن توافر الخبرات الاستخباراتية الوطنية الضرورية ويعزز مصداقية الوحدة.

ـ  آليات تنسيق : قدرة المفوضية على وضع آليات تنسيق مؤسسية واضحة، تحدد بدقة الصلاحيات وعلاقات العمل مع مركز INTCEN ومديرية الاستخبارات العسكرية الأوروبية (EUMS INT)، لتجنب التكرار وضمان تكامل التحليل المدني والعسكري.

ـ ألمرونة : تعد المرونة والقدرة على الاستجابة السريعة للأزمات من العوامل الجوهرية، فالوحدة ستكون أكثر تأثيرا إذا تمكنت من تقديم تحليلات دقيقة وموثوقة في سياق التحديات الأمنية الطارئة، مثل الحرب في أوكرانيا، بما يعزز أهميتها أمام المفوضين وصانعي القرار الأوروبيين ويزيد من احتمالية اعتماد نتائجها في صياغة السياسات الأمنية للاتحاد.

تقييم  وقراءة مستقبلية

  •  من المتوقع أن يُثير إنشاء وحدة استخباراتية جديدة جدلاً واسعا في بروكسل والعواصم الأوروبية، خصوصا أن الملف الاستخباراتي من أكثر مجالات السيادة الوطنية حساسية. إلا أن التطورات الجيوسياسية، لا سيما الحرب في أوكرانيا والتهديدات الروسية، قد تُعجل بتبني نموذج تكامل استخباراتي أوروبي يمنح المفوضية أداة فاعلة لإدارة الأزمات.  يبقى التحدي الرئيس تحقيق التوازن بين المفوضية ودائرة العمل الخارجي الأوروبية، بحيث يتحول المشروع إلى منظومة تكاملية تعزز الوعي الأمني وتوحد أدوات الاستجابة داخل الاتحاد.
  •  يمثل التنسيق بين هذه الهيئات تحديا مستمرا لضمان التكامل بين التحليل المدني والعسكري وتجنب تكرار المهام، مع احترام سيادة الدول الأعضاء في جمع المعلومات الاستخباراتية. ويعتبر هذا النظام من أهم مقومات القدرة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي في مواجهة التهديدات الحديثة، سواء كانت عسكرية، هجينة، أو سيبرانية.
  •  ترتكز خطة فون دير لاين على الحاجة الملحة لتعزيز القدرات الاستخباراتية للمفوضية في ظل تصاعد التهديدات الأمنية المتنوعة داخل أوروبا وخارجها. تشمل هذه التهديدات: العمليات الهجينة الروسية، تراجع الدعم الاستخباراتي الأمريكي، وارتفاع مستوى التحديات السيبرانية والإرهابية.
  •   تمتلك المفوضية أسبابا قوية لتطوير آليات جمع وتحليل المعلومات بشكل أكثر مركزية، بما يتيح اتخاذ قرارات استراتيجية أسرع وأكثر تنسيقا. وأن إنشاء وحدة صغيرة ومتكاملة مع الكلية الأمنية يمكن أن يوفر دعما تحليليا مباشرا للمفوضين، ويعزز عقلية “الجاهزية والاستعداد” داخل المفوضية.
  • يمكن أن تصبح الخطة نموذجا لتكامل استخباراتي أوروبي أكثر جرأة إذا نجحت المفوضية في تجاوز التحديات المؤسسية في الأمد البعيد، وتوسيع الوحدة لتشمل تحليلًا متعدد الأبعاد يغطي الهجمات السيبرانية والتهديدات العسكرية والهجينة.
  •  أما إذا فشلت في تحقيق التنسيق الفعال مع INTCEN أو واجهت مقاومة سياسية من الدول الأعضاء، فقد تتحول الخطة إلى مشروع رمزي يثير جدلاً واسعًا دون تحقيق نتائج ملموسة.
  •  تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد العمليات الهجينة التي تنفذها روسيا وبيلاروسيا ضد دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تراجع الدعم الاستخباراتي الأمريكي، خاصة بعد أن علّق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بعض أشكال الدعم لأوكرانيا.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code