شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في لحظة بدت وكأنها حاسمة لمسار الحكومة الفيدرالية، خرج مجلس وزراء “أريزونا” اتفاق نهائي حول الميزانية عقب جلسة تفاوض غير مسبوقة امتدت لأكثر من عشرين ساعة متواصلة.
وجاء الإعلان الرسمي فجر الاثنين خلال مؤتمر صحفي عُقد في الساعة السادسة والنصف صباحًا، كشف خلاله الوزراء تفاصيل خطة إصلاحية واسعة تُعدّ من أكثر الحزم تأثرًا بالواقع الاقتصادي للبلاد منذ سنوات.
طاقة أقل كلفة… العمود الفقري للاتفاق
وبحسب “RTL”، تضع الحكومة خفض تكاليف الطاقة في مقدمة أولوياتها، وقد أعلن الوزير الفيدرالي ديفيد كلارينفال إطلاق “معيار الطاقة” الجديد الذي سيعيد تنظيم الفواتير لصالح الشركات والأسر.
وأوضح أن هذه الخطوة ليست ظرفية، بل تهدف إلى خلق أثر طويل الأمد على القدرة الشرائية والتنافسية الصناعية.
الهدف المركزي هو خفض أسعار الكهرباء عبر آلية تراكمية تقلل النفقات التدريجية على المؤسسات، وهو ما تعتبره الحكومة حافزًا لقطاع الإنتاج وبيئة الأعمال، خاصة في ظل الضغوط الأوروبية المتعلقة بالتحول الطاقوي.
إصلاحات سوق العمل… المرونة بدل الجمود
وافقت الحكومة بشكل نهائي على إصلاحات عميقة في سوق العمل، شملت توسيع استعمال الوظائف المرنة، وتعديل قواعد العمل الليلي، وإعادة تفعيل إجراءات دعم العمال الموسميين في القطاعات الحساسة.
ويمثل هذا المحور محاولة لمعالجة النقص الهيكلي في اليد العاملة، خاصة في قطاعات الخدمات، والمطاعم، والصناعة الخفيفة، إضافة إلى دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة ضمن خطة متعددة السنوات.
كما ستُواصل الحكومة تطبيق برنامج Werkbonus الذي يتيح تخفيضات على الأجور المنخفضة بهدف الحفاظ على القدرة الشرائية وتحسين حوافز العمل.
حماية المؤشر ومكافحة غلاء المعيشة
جددت الحكومة التزامها بحماية المؤشر المالي، لتظل فهرسة الأجور قائمة حتى سقف 4000 يورو. وبذلك، فإن رواتب العمال ذات الدخل المتوسط لن تتضرر من قيود الفهرسة، بينما ستتحمل الشركات جزءًا من التوازن عبر تجميد الفهرسة على الأجزاء الأعلى من الرواتب.
وصرّح الوزير بريفو بأن الفهرسة ستستثني فقط الوزراء وأعضاء البرلمان، في خطوة تهدف لامتصاص الغضب الاجتماعي وإظهار أن “التضحيات” تشمل الطبقة السياسية أيضًا.
برنامج “العودة إلى العمل”: مهمة إعادة إدماج 100 ألف شخص
تضع الحكومة ملف الإجازات المرضية الطويلة الأمد ضمن أولوياتها. ويحاول برنامج “العودة إلى العمل” إعادة إدماج 100 ألف شخص مسجّلين كغير قادرين على العودة إلى وظائفهم.
وتقول الحكومة إن جزءًا من هؤلاء يعانون من إعاقات جزئية، فيما البعض الآخر تُظهر التحقيقات تعرضه للاستغلال الاجتماعي أو عدم وجود متابعة طبية دقيقة. ويُعدّ هذا الملف أحد أهم أدوات الحكومة لتوسيع قاعدة العمل وتقليص الأعباء على نظام الضمان الاجتماعي.
ضرائب ورسوم… دون زيادات واسعة
أحد أهم النقاط التي دافعت عنها الحكومة بقوة هو تجنب رفع الضرائبـ ووفقًا لكلارينفال، فإن المحافظة على معدلات TVA الحالية — 6%، 12%، 21% — يمثّل التزامًا سياسيًا واضحًا.
لكن وضمن توازنات الميزانية، تم اتخاذ إجراءات دقيقة، منها:
مواءمة أربع فئات من الخدمات نحو TVA بمعدل 12%
رفع ضريبة القيمة المضافة على المبيدات ضمن رؤية بيئية
زيادة الرسوم الجمركية على الغاز تدريجيًا إلى حدود 2029 استعدادًا للوائح الاتحاد الأوروبي
خفض الرسوم على الكهرباء السكنية لموازنة الزيادات المحتملة في الغاز
وفي قطاع النقل، سيتم رفع الضريبة على تذاكر الطيران، خصوصًا الرحلات القصيرة، تشجيعًا لاستخدام القطار باعتباره وسيلة أقل ضررًا بالمناخ.
المعاشات التقاعدية… إصلاح يمنع العقوبات المزدوجة
أدخلت الحكومة تعديلًا جوهريًا على إصلاح نظام التقاعد، لتجنب إلحاق ضرر مزدوج بالعمال الذين أصيبوا بالمرض خلال مسارهم المهني.
وسيتم احتساب فترات المرض بشكل أكثر إنصافًا، مع اعتبار السنة الأولى بعد التخرج سنة كاملة في حساب التقاعد، حتى لو بدأ العمل الفعلي في منتصف السنة.
كما أُدرجت “فترة راحة” من خمسة أيام لتفادي تخفيضات غير عادلة في حال وجود انقطاع بسيط في المسار المهني.
الصحة والخدمات العامة… لا خفض عشوائي في الإنفاق
أكد وزير الميزانية ماكسيم بريفو أن الحكومة لن تلجأ إلى سياسة “المقص”، وقال إن تحقيق وفورات بـ10 ملايين يورو عبر خفض الإنفاق فقط هو “وهم”، محذرًا من خنق الخدمات العامة.
وبينما حققت الحكومة وفورات صافية بـ300 مليون يورو للفترة المتبقية من العهدة، فإن قطاع الصحة سيحتفظ بموارد كبيرة لضمان استمرارية العلاج والخدمات الاجتماعية.
كما خصصت الحكومة 600 مليون يورو لاستثمارات ضخمة في البنية التحتية العدلية، من بينها تحديث مباني وزارة العدل.
كواليس ليلة طويلة كشفت حجم الخلافات
وصل نواب رئيس الوزراء إلى مكتب بارت دي فيفر صباح الأحد على أمل اختراق حالة الجمودـ وبحسب مصادر حكومية، فإن النقاش حول ضريبة القيمة المضافة كان الأكثر توترًا، قبل أن يتدخل رئيس الوزراء بمقترح جديد مساء الأحد أدى إلى انفراج نسبي في المفاوضات.
وبحلول الرابعة صباحًا، كانت ملامح الاتفاق قد اكتملت، قبل أن يُعلن رسميًا في المؤتمر الصحفي فجراً.
ردود الفعل السياسية… إشادة وحذر
على منصة X، كتب جورج لوي بوشيه:
“لن تكون هناك زيادة في TVA، وقد تم الاستماع إلى مطالبنا. كما أن خطة إعادة 100 ألف شخص إلى العمل خطوة ضرورية للسوق البلجيكية.”
لكن في المقابل، بدأت بعض النقابات العمالية بإبداء تحفظات، خاصة بشأن الإصلاحات المتعلقة بالعمل الليلي وصندوق التقاعد.
خاتمة: ميزانية ثلاثية الأبعاد
يقدم الاتفاق — وفق الحكومة — ثلاثة وعود أساسية:
دعم القدرة الشرائية عبر الحماية المؤشر وخفض أعباء الطاقة
تعزيز النمو من خلال عدم رفع الضرائب ودعم سوق العمل
ضمان الإنصاف عبر إجراءات تعتبرها الحكومة “عادلة” ومتوازنة
ومع بقاء أشهر قليلة قبل نهاية العهدة التشريعية، تبدو هذه الميزانية محاولة لتثبيت الاستقرار الداخلي، وتهدئة الشارع، وإظهار قدرة الحكومة على تجاوز أصعب الاختبارات المالية والسياسية.
وكالات
