محمد زويل
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في عالم تُقاس فيه الحروب بعدد الدبابات والطائرات، تبدو إيران حالة استثنائية يصعب فهمها بالأدوات التقليدية، فهي لم تنتصر انتصارا حاسما في مواجهة خصومها، لكنها في الوقت ذاته لم تُهزم، رغم عقود من العقوبات والضغوط والتهديدات العسكرية. هذه المفارقة ليست صدفة، بل نتيجة عقل استراتيجي مختلف، أعاد تعريف معنى الحرب وأدواتها وأهدافها.
الحرب كعملية.. لا كمعركة:
لا تنظر إيران إلى الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية تُحسم في ميدان واحد، بل تراها عملية ممتدة عبر الزمن، تُدار بأدوات متعددة، وتُقاس نتائجها بمدى تآكل إرادة الخصم، لا بعدد المواقع التي يتم السيطرة عليه. في هذا السياق، يصبح الزمن نفسه سلاحا، ويغدو الصبر الاستراتيجي أحد أهم عناصر القوة.
القتال من خارج الحدود:
القاعدة الأهم في الاستراتيجية الإيرانية هي: “لا تُحارب على أرضك إن استطعت أن تُحارب على أرض غيرك”. هنا، بنت إيران شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء في الإقليم، بحيث تتحول أي مواجهة معها إلى حرب متعددة الجبهات؛ موزعة جغرافيا ومكلفة سياسيا وعسكريا لخصومها. بهذا الأسلوب لا تكون طهران في قلب المعركة لكنها في مركز إدارته.
الاستنزاف بدل الحسم:
لا تسعى إيران إلى ضربة قاضية، بل إلى استنزاف طويل النفس؛ ضربات محدودة، وتوترات محسوبة، ورسائل عسكرية متدرجة.. كلها أدوات تهدف إلى إنهاك الخصم تدريجيا، دون دفعه إلى رد شامل.. إنها حرب تُدار على “حافة الانفجار” دون أن تنفجر بالكامل.
الغموض كأداة قوة:
جزء أساسي من القوة الإيرانية يكمن في الغموض الاستراتيجي من نفّذ؟ كيف؟ وبأي مستوى من التنسيق؟ أسئلة تُترك غالبا بلا إجابة واضحة، بما يمنح طهران مساحة للإنكار..
في هذا النموذج، لا تكون الضربة مجرد فعل عسكري، بل أيضا رسالة نفسية مركبة تربك حسابات الرد لدى الخصوم.
منطق “رفع الكلفة”
إيران تدرك أنها لا تملك التفوق العسكري التقليدي على خصومها، لكنها تمتلك ما هو أكثر أهمية القدرة على رفع تكلفة الحرب إلى مستويات غير محتملة من تهديد الملاحة، إلى توسيع نطاق الاشتباك، إلى تحريك جبهات متعددة تتحول أي مواجهة معها إلى مغامرة باهظة الثمن وهنا، لا يكون الهدف هو الانتصار، بل منع الخصم من التفكير في الانتصار أصلا.
الحرب كأداة تفاوض:
في العقل الإيراني، لا تنفصل الحرب عن السياسة، بل تُستخدم كوسيلة ضغط تفاوضي. التصعيد ليس هدفا في ذاته، بل ورقة على طاولة المفاوضات والتهدئة وليست تنازلا، بل نتيجة لإعادة ضبط ميزان الكلفة والمصلحة، إنها لعبة دقيقة بين النار والدبلوماسية.
لماذا لم تُهزم إيران؟
رغم كل الضغوط، لم تنهزم إيران، لأن استراتيجيتها لا تقوم على تحقيق نصر سريع، بل على تفادي الهزيمة، إنها لا تدخل معركة لا تستطيع تحمل نتائجها، ولا تصعّد إلا بقدر ما تستطيع السيطرة عليه، ولا تراهن على الحسم، بل على الاستمرار، وهنا يكمن سر بقائها.
إيران لا تحارب كما تحارب الدول التقليدية، بل كما تتحرك الشبكات المعقدة؛ مرنة، موزعة، وغامضة، وطويلة النفس. هي لا تسعى إلى السيطرة الكاملة، بل إلى إرباك الخصم، ولا إلى الانتصار الساحق، بل إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة.
وفي عالم تتغير فيه طبيعة الحروب، قد لا يكون السؤال الأهم من انتصر؟ بل من استطاع أن يصمد أكثر؟
عربي 21
