صفوان صادق
في المدينةِ ذاتِ الملامحِ المنسيّة،
أمشي
كأنّي ظلّ امرأةٍ
نسيت اسمَها على قارعةِ الذكرى،
تصفعني الريحُ
وتربتُ على كتفي النوافذُ
كأنّها تقول:
لا أحدَ يعودُ كما كان.
أكوابُ القهوةِ مكسورةُ الحواف،
كأنّ الشفاهَ التي قبّلتها
هربتْ دونَ وداع،
والمقاعدُ الخشبيةُ
تئنّ بصوتِ من جلسوا طويلاً
ينتظرونَ اللاشيءَ
بكاملِ الانكسار.
السماءُ مُطفأة،
الضوءُ يرتجفُ في الزوايا،
والمطرُ
لم يزر هذه الأرصفة
منذ أن قرر الحنين
أن يهاجر.
كلُّ شيءٍ هنا
يشبهني،
حتى المرآة
تعكسُ صورةً
لأني لم أعد أعرفها.
لكن…
سنعود،
كما تعود القصائدُ
إلى فمِ شاعرٍ
نامَ على حلمٍ
واستيقظَ على
وعدٍ مؤجل.
وسنعود…
ليس كما يعودُ المنتصرون
بل كما يعودُ من خسر كلَّ شيء
إلا ذاكرته،
نجرّ الخطى على أرصفة
نسيت أسماءنا،
نسأل المارة:
هل مرّ هنا الحلمُ ذات صباح؟
فيبتسمون بأسى،
كأنهم عرفوا
أنّ الحلم لا يسكن المدن الغارقة في المطر.
سنعود…
وستكون الطريق وعرةً
والأبواب مواربة،
لكننا نحملُ مفاتيحَ
صنعناها من الأمل،
ونفتحُ بها صدورَنا
قبل العتبات.
سنعود…
ربما دون حقائب،
دون وجوهٍ مألوفة،
لكننا نحمل قصائدنا
وأسماء من عبروا فينا
كالعطر،
ثم تلاشى.
سنعود،
وستعرفنا الأشجار
من ظلِّنا،
والنوافذ
من رعشة الانتظار
حين نمر.
سنعود…
وإن تأخرنا
وإن شاخت خطانا
وارتعشت أصابعنا على الجدران القديمة،
سنعود كأغنيةٍ
نسيها المغني على المسرح
فعاد يبحث عنها في صمت الجمهور.
سنعود،
ليس لنستعيد ما فات،
بل لنزرع ما تبقّى منّا
في تربة الحنين،
ونترك للغد رسالةً
مكتوبةً بالدمع:
“كن خفيفًا،
فقد مررنا من هنا،
ذات حلم.”
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية ….
