شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_يسعى رئيس الوزراء الألباني، إدي راما، إلى تحقيق هدف طموح يتمثل في جعل ألبانيا أول دولة في العالم تتخلى كليًا عن التعامل بالنقد بحلول عام 2030. وفي بلدٍ لا تزال فيه الأوراق النقدية تهيمن على المعاملات اليومية، ويخشى فيه المواطنون التعامل مع البنوك، تبدو هذه الخطة أقرب إلى مغامرة سياسية محفوفة بالتحديات.
راما، الذي يقود حكومة يسار وسط، يعتبر هذا المشروع حجر زاوية في جهوده لتقليص الاقتصاد غير الرسمي، الذي يشكل ما يصل إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي بحسب تقديرات رسمية. وكان تقرير المفوضية الأوروبية لعام 2024 قد وصف ألبانيا بأنها تعاني من “اقتصاد رمادي كبير يعوق التنمية ويقلص إيرادات الضرائب”.
بين الطموح والواقع
يقول الخبراء إن التخلص من النقد خطوة مهمة لمحاربة التهرب الضريبي وغسل الأموال. لكن العقبة الكبرى تكمن في غياب ثقة المواطنين بالنظام المصرفي. فوفقًا لاستطلاع أجرته الجمعية الألبانية للبنوك، فإن فقط 34% من الألبان يثقون بالمصارف، بينما يقدّر البنك الدولي أن أقل من نصف السكان يمتلكون حسابًا مصرفيًا.
ويؤكد سلامي زيبا، أستاذ الاقتصاد في جامعة تيرانا، أن “النقد يشكّل ملاذًا للأمان بالنسبة لعدد كبير من الألبان الذين يتذكرون جيدًا الانهيار المالي في تسعينيات القرن الماضي”.
جراح الماضي لا تزال مفتوحة
تعود هذه الشكوك إلى أزمة 1997، حين انهارت شركات استثمارية غير خاضعة للرقابة كانت تعد بعوائد خيالية. خسر آلاف الألبان مدخراتهم، واندلعت أعمال عنف راح ضحيتها أكثر من 2000 شخص، وتسببت في انهيار مؤسسات الدولة. ولا يزال كثيرون يحمّلون الحكومة المسؤولية عن غض الطرف عن تلك الاحتيالات الهرمية، بل واتهامها بالتربّح منها.
تغييرات مرتقبة
تخطط الحكومة لإطلاق حزمة من الإجراءات بهدف تقليص الاعتماد على النقد، منها:
تحديد سقف للمدفوعات النقدية.
دمج نظام الدفع الألباني مع SEPA (نظام المدفوعات الأوروبي الموحد).
إطلاق نظام الدفع الفوري بحلول عام 2026.
لكن في بلدٍ لا تقبل فيه العديد من المتاجر الصغيرة والمقاهي وصالونات التجميل بطاقات الدفع، لا تزال البنية التحتية الرقمية والوعي العام متأخرين.
انتقادات من المعارضة
المعارضة الألبانية ترى أن الحملة الحكومية مبالغ فيها. يقول جينك بولو، نائب رئيس الوزراء الأسبق، إن الخطة تمثل “هجومًا على الحرية الشخصية”، مؤكدًا أن “الحلول الذكية تكمن في تحسين الرقابة وتعزيز المنافسة بين منصات الدفع الرقمية، لا في إلغاء النقد”.
ويشتبه نواب آخرون، مثل إيرالد كابري، في وجود أهداف سياسية من وراء هذه المبادرة، معتبرين أنها “إحدى محاولات راما لصرف الانتباه عن قضايا أكثر إلحاحًا مثل الفساد وتضخم المعيشة”.
الطريق الصعب نحو “الاقتصاد النظيف”
بينما تتجه دول مثل السويد وإستونيا إلى تقليص الاعتماد على النقد، فإن تجربة ألبانيا فريدة بحكم الذاكرة الجماعية المؤلمة من النظام المالي، والضعف المؤسسي، والانقسام السياسي.
يبقى نجاح خطة إدي راما مرهونًا بقدرته على استعادة ثقة المواطنين في النظام المصرفي، وتحقيق طفرة حقيقية في الرقمنة والبنية التحتية المالية، دون أن يكرر أخطاء الماضي.
أوروبا بالعربي
