الأربعاء. مارس 4th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 0 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_في بلد يفاخر بديمقراطيته البرلمانية العريقة، أصبحت بريطانيا تواجه ظاهرة غير معهودة: ثمانية رؤساء وزراء سابقين لا يزالون نشطين سياسياً، يشاركون في النقاش العام، ويعلقون على أداء من يخلفهم، بل ويضعون العراقيل أحياناً أمام أجندته. ورغم أن كثيرًا منهم غادروا داونينغ ستريت على وقع أزمات سياسية واقتصادية، إلا أن رغبتهم في التأثير لم تغادرهم.

وبات هذا التكدس غير المسبوق في “نادي الرؤساء السابقين” يُثقل كاهل رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر، كما يُعقّد محاولات حزب المحافظين لطي صفحة ماضيه المضطرب.

إرث لا يهدأ… وأصوات لا تصمت
في عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة، حاولت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوخ النأي بنفسها عن إرث رئيسة الوزراء السابقة ليز تروس، التي تسبب برنامجها الاقتصادي المتهور في هزة مالية لم تتعافَ منها البلاد بعد. لكن تروس لم تصمت. هاجمت بادنوخ، واتهمتها بالفشل في مواجهة “الإخفاقات الحقيقية” لـ14 عامًا من حكم المحافظين.

هذا المشهد ليس استثناءً. فالرؤساء السابقون من حزب العمال، مثل توني بلير وجوردون براون، لا يترددون في الإدلاء بدلوهم أيضًا. بلير يستخدم معهدًا خاصًا به لنشر أوراق سياسات تهاجم بعض قرارات حكومة ستارمر، خصوصاً في ملفات مثل الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ. أما براون، فيُغرّد ويكتب وينشر تقارير تنتقد الحكومة، خاصة بشأن قضايا العدالة الاجتماعية، مثل الحد الأقصى للأطفال في مدفوعات الضمان الاجتماعي.

ويعترف مستشارون سابقون في حزب العمال أن تدخلات القادة السابقين قد تكون غير مريحة أحياناً، لكنهم يبررونها بحسن النية، أو على الأقل بعدم وجود تقليد صارم يُلزم رؤساء الوزراء بالصمت بعد مغادرتهم المنصب.

بين العزلة الأميركية والتدخل البريطاني
اللافت في الحالة البريطانية هو غياب إطار مؤسسي لما بعد المنصب. فبينما يحظى الرؤساء الأميركيون السابقون بمؤسسات رسمية مثل “المكتبة الرئاسية”، يُترك رؤساء وزراء بريطانيا للتجول في الساحة العامة بلا دور محدد، ما يدفعهم – كما يقول البعض – للبحث عن “اللُقمة الثانية من الكرز”.

يحصلون على معاش سنوي يبلغ 115 ألف جنيه إسترليني، وحماية أمنية، ويحضرون الاحتفالات الوطنية، لكنهم يفتقرون إلى صيغة تُعطي لأفكارهم صفة رسمية أو إنتاجية. لذلك، يتحول بعضهم إلى أعمدة صحفية، أو منابر حزبية، أو مقاتلين لتصفية الحسابات.

بين الغضب الشخصي والتدخل الاستراتيجي
بالنسبة لبعض القادة، مثل بوريس جونسون وليز تروس، فإن التدخلات تبدو وكأنها محاولة لإعادة صياغة التاريخ، أو تحسين صورة ملوثة. يكتب جونسون بانتظام في صحيفة “ديلي ميل”، ويوجه انتقادات مباشرة لحكومة ستارمر، بما في ذلك موقفه من الشرق الأوسط. أما تروس، فتحاول العودة للواجهة من خلال مهاجمة السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة الحالية، وتسعى لتقديم نفسها باعتبارها “صوت المحافظين الحقيقيين”.

وفي المقابل، يسعى آخرون، مثل بلير وبراون، لتقديم “رؤية إصلاحية” من خارج السلطة، وإن كانت انتقاداتهم – أحيانًا – تُربك حسابات الحزب الحاكم، وتضعف وحدة الرسالة السياسية.

تركة بلا وصاية
يقول المؤرخ أنتوني سيلدون إن بريطانيا تعاني من ظاهرة “رؤساء وزراء غير مكتملين”، في إشارة إلى قادة غادروا السلطة دون تحقيق أهدافهم أو استكمال أجنداتهم، وهو ما يدفعهم للبقاء في الظل، والمشاركة في النقاش العام بشيء من المرارة أحيانًا.

حتى المحافظ المتحفّظ جون ميجور، الذي التزم الصمت طويلاً، عاد إلى الساحة خلال سنوات بريكست، ليُهاجم بوريس جونسون ويُطالب بتعزيز المعايير البرلمانية. أما تيريزا ماي، فاختارت التدخل في ملفات مثل المناخ وحقوق الإنسان، ما جعلها تتعارض أحيانًا مع سياسات حزبها نفسه.

هل هو إرث حيّ أم عبء سياسي؟
قد يرى البعض في هذه الأصوات المتعددة ثراءً ديمقراطيًا، يضفي عمقًا على النقاش العام. لكن الواقع يشير إلى أن كثافة هذه التدخلات تربك الخلفاء، وتؤجج الانقسامات داخل الأحزاب، وتُعيد فتح ملفات يُفترض أنها أُغلقت سياسيًا.

في زمن الانقسامات والأزمات، تحتاج بريطانيا إلى الاستقرار، والوضوح في الرؤية. لكن طالما ظل الرؤساء السابقون يُمسكون بالمِقود من المقعد الخلفي، فإن مستقبل القيادة السياسية في داونينغ ستريت سيظل مشوشًا، يتأرجح بين إرث ثقيل ورغبة مضنية في طي صفحته.

أوروبا بالعربي

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code