شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تباطؤ النمو وارتفاع الضغوط المالية في أوروبا، يطرح رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي فيفر رؤية اقتصادية وسياسية شاملة يسعى من خلالها إلى إعادة تعريف مفهوم الرفاهية، ليس فقط على المستوى الوطني، بل في إطار أوروبي أوسع، وسط تحذيرات من فقدان القارة لمكانتها الاقتصادية عالمياً.
ويستعرض دي ويفر في كتابه الجديد “Over Welvaart” (حول الرفاهية) تاريخ الازدهار في العالم الغربي، محللاً العوامل التي قادت إلى التقدم خلال العقود الماضية، قبل أن يرسم مساراً إصلاحياً يعتبره ضرورياً لإعادة بلجيكا وأوروبا إلى “المسار الصحيح”.
ويؤكد أن التحدي الأكبر خلال المرحلة التشريعية الحالية يتمثل في إعادة ضبط أوضاع المالية العامة، معتبراً أن الاستقرار المالي شرط أساسي للحفاظ على دولة الرفاه.
وفي بحثه عن نماذج ناجحة، يتجه رئيس الوزراء إلى خارج أوروبا والولايات المتحدة، مستلهماً تجربة سنغافورة التي تحولت خلال عقود قليلة، تحت قيادة لي كوان يو، إلى واحدة من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم.
ويشير إلى أن نجاح الدولة الآسيوية استند إلى مزيج سياسي يجمع بين الانضباط الإداري، والهوية الوطنية القوية، ومكافحة الفساد، إلى جانب سياسات اقتصادية صارمة.
ويلخص دي فيفر الدروس المستفادة من هذا النموذج في أربعة مبادئ رئيسية أصبحت بمثابة ركائز لبرنامج التحالف الحاكم: الحفاظ على ميزانية متوازنة، وضمان ازدهار عادل، والإبقاء على مستويات ضرائب منخفضة، وتعزيز الاستثمار في الابتكار.
ويرى أن هذه المبادئ تمثل الإطار الضروري للحفاظ على القدرة التنافسية في عالم يشهد تحولات اقتصادية متسارعة.
ويحذر رئيس الوزراء من أن الوضع الحالي لا يحتمل التأجيل، مشيراً إلى أن بلجيكا وأوروبا تواجهان تحديات هيكلية متزايدة، من بينها شيخوخة السكان، وتراجع الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الرعاية الاجتماعية، وتزايد انتشار الأمراض المزمنة.
ويؤكد أن هذه العوامل، إذا لم تُعالج بإصلاحات عميقة، قد تؤدي إلى تراجع اقتصادي طويل الأمد.
وفي هذا السياق، يدعو دي فيفر إلى إعادة تشكيل ركائز دولة الرفاه عبر الحد مما يصفه بـ”التجاوزات”، معتبراً أن الموارد التي سيتم توفيرها يمكن استخدامها لإعادة بناء أسس النمو المستدام.
ويحذر من أن الفشل في تنفيذ الإصلاحات قد يجعل أوروبا “قارة بلا قوة أو أمل” في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة.
كما يوجه انتقادات حادة لسياسات اليسار، خاصة الحزب الاشتراكي، محذراً من احتمال عودته إلى الواجهة السياسية في الانتخابات المقبلة وما قد يترتب على ذلك، وفق رأيه، من عودة الإنفاق المفرط.
ويرى أن مثل هذا السيناريو قد يعيد النقاش حول إصلاح الدولة ويهدد الاستقرار السياسي، في إشارة إلى مخاطر الشلل المؤسساتي الذي شهدته بعض المناطق، وعلى رأسها بروكسل.
وفي مساعيه لإعادة هيكلة المالية العامة، يستحضر دي فيفر تجارب ثلاثة من رؤساء الوزراء السابقين الذين قادوا إصلاحات مالية كبرى في أوقات الأزمات، وهم غاستون إيسكينز، وويلفريد مارتنز، وجان لوك ديهان، في محاولة لتأكيد أن الإصلاحات الصارمة كانت تاريخياً جزءاً من مسار التعافي البلجيكي.
لكن الرؤية التي يطرحها تتجاوز الإطار الوطني، حيث يختتم كتابه بالدعوة إلى استعادة ما يسميه “العصر الذهبي الجديد” لمنطقة البلدان المنخفضة، في إشارة إلى دول البنلوكس، مستحضراً دورها الريادي خلال القرن السابع عشر كمركز عالمي للتجارة والابتكار.
ويختتم دي فيفر رسالته بدعوة طموحة لإعادة تموضع المنطقة وأوروبا على خريطة الاقتصاد العالمي، قائلاً إن الهدف هو أن تصبح مجدداً منارة للتقدم وقوة فاعلة في توجيه مسار المستقبل.
وقد صدر كتاب “Over Welvaart” عن دار نشر Borgerhoff & Lamberigts، وسط اهتمام سياسي واقتصادي واسع بما يحمله من مؤشرات على توجهات المرحلة المقبلة.
وكالات
