متابعة وتصوير: مهنَّد سليمان
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_استضافت دار حسن الفقيه حسن للفنون بالمدينة القديمة طرابلس حوارية فكرية حملت عنوان “الخُرّاف والحكمة: عزوزة القايلة في دهاليز فلسفة الأطفال”، وذلك مساء يوم الخميس 19 يونيو الجاري، وسط حضور لفيف من الأدباء والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي والتراثي
اللقاء الذي أدارته الكاتبة الصحفية فتحية الجديدي، انطلق بتأطير دلالي لأهمية الحكاية الشعبية الليبية بوصفها تجسيدًا لهوية جمعية تتناقلها الأجيال، وتختزل بين طياتها القيم والرموز الثقافية. وأشارت الجديدي في مستهل الحوارية إلى أن الخرافة الشعبية هي أداة تنشئة، ومخزن للمخيلة الجماعية، بل ومختبر مبكر للفلسفة الطفولية.
من المسرح إلى الراديو… شهادات من خيوط الحكاء
الورقة الأولى جاءت من المسرحي والباحث المخضرم سالم ميلاد، الذي قدّم شهادة وجدانية عن تجربته الطويلة في عالم مسرح الأطفال والإذاعة، مؤكدًا أن الحكاية الشعبية كانت دائمًا في قلب تجربته، قائلاً: “الحكاية كانت مدرستي الأولى… وهي ما أزرع به الأمل في عيون الصغار”.
كما تحدث الكاتب محمد ناجي عن تجربته، مؤكدًا أن نقل الحكاية للأطفال واجب أخلاقي ومجتمعي، وأضاف: “نحن لا نحكي حكايات فقط، بل نبني وعياً، ونغرس قيماً، وننقل جذوة تراثية إلى الجيل القادم”.
أما الشاعرة والأكاديمية د. كريمة بشيوة فقد استدعت بذاكرة عاطفية صورة جدتها الحكاءة، التي فتحت لها أبواب العالم بالقصة والهمس، قائلة: “جدتي كانت تمارس فلسفة لا تدرك أنها فلسفة… وكانت تُدخلني إلى عوالم القيم بأبسط العبارات وأكثرها عمقاً”.
الفداوي تراث راسخ وله جذور موثقة
في المقابل، أوضح الشاعر والمهتم بالتراث الشعبي صلاح حودانة جانبًا دقيقًا من الجدل حول مصطلح “الفداوي”، مبينًا أن “الفداوي هو ما نطلق عليه في طرابلس الحكواتي، وهو ما يُعرف لغويًا بالراوي. أما في الشام فيُقال له (الحكواتي)، وفي السياق الليبي يُستخدم مصطلح (الفداوي) تحديدًا في طرابلس، وهذه التسمية موثقة في مصادر متعددة، وأكد حودانة، خلال مداخلته، أنه يحتفظ بمراجع تعود للعهد العثماني والقرمللي، مشيرًا إلى أن الاسم ليس مجرد تداول شعبي، بل له جذور مثبتة تاريخيًا، وأضاف بحزم: “لا تعتقدوا شيئًا آخر… لدي مصدر ومرجع يؤكدان صحة هذه التسمية، وإذا أحببتم يمكنني أن أقدمها لكم”.
من “يحزاركم” إلى المدارس… الحكاية تتحول إلى مشروع وطني
ومن جانبه، قدّم الكاتب والمؤرخ مختار دريرة شهادة استثنائية عن مسرح خيال الظل “القراغوز” في طرابلس، متتبعًا سيرة شخصية “حمدا” القادمة من الأناضول قبل الغزو الإيطالي، وكيف تحوّل دكان النجارة إلى خشبة تعرض عليها حكايات “الصدق والأمانة” للأطفال مقابل خمس مليمات، مؤكدًا أن الذاكرة الشعبية طرابلسية لم تنفصل يومًا عن المسرح والسرد.
وفي سياق متصل، لفت الصحفي وليد بن دلة إلى ضرورة الوعي بمسألة “الانتقاء” عند نشر الحكايات الشعبية، مشددًا على ضرورة تصفية التراث مما قد يحمله من تكريس للصور النمطية، قائلاً: “ليس كل ما ورثناه يصلح للنشر… فلنغربل الخرافة لا لنرفضها، بل لنصوغها بروح معاصرة أكثر إنصافًا وإنسانية”.
الهوية كدرع وحكاية
فيما كشفت الدكتورة مفيدة جبران، رئيسة المشروع الوطني للتراث المادي وغير المادي عن جهود بحثية واسعة لتوثيق التراث الشعبي، وإدماجه في المناهج التعليمية، ضمن رؤية وطنية شاملة قالت عنها: “التراث ليس شيئاً نحتفظ به في المتاحف، بل هو مشروع حي نُعيد به بناء وجدان الجيل الجديد”.
كما أكد السيد عيسى زبيدي على أن التخلّي عن تراثنا هو بمثابة “انتحار ثقافي”، داعيًا إلى تبني مشاريع لتحويل القصص الشعبية إلى أعمال فنية معاصرة، من رسوم متحركة إلى مسرحيات تليق بروح الطفل الليبي.
بينما تطرق الشاعر والكاتب عبد الحكيم كشاد إلى أدب الأطفال موضحا بأنه مرآة للخيال الجمعي ، بالنسبة لارتباطه بالحكايات الخرافية والأساطير حيث تتقاطع قيم مجتمعية مع الموروث الثقافي ، مع الحاجة إلى الترفيه والتعليم ، ومن أبرز مكوناته الحكايات الخرافية والأساطير التيرافقت الطفولة في مختلف الثقافات ، ملونة بشخصيات ، وأحداث خارقة ، مغلفة برسائل توعوية الى الأطفال . مضيفا أنه بالبحث عن الأسطورة كمكون من مكونات ثقافة الطفل ، نجد أنها حكاية ذات طابع خيالي ارتبط بتفسير الظواهرالطبيعية أو نشوء الكون أو بطولات الآلهة والبشر وتعد جزءا من الميثولوجيا . بينماالحكاية الخرافية ” الفلكلورية ” وهي القصة الشعبية التي تروى شفاهة وتتضمن شخصيات خيالية مثل الجان) ،الغول ، الساحر أو الساحرة ( وتدور أحداثها في إطار غير واقعي مع ما تحمله من حكمة أو قيمة تربوية .
.واختتمت الحوارية بتكريم المسرحي والباحث سالم ميلاد، حيث مُنح شهادة تقدير عرفانًا بمسيرته الطويلة في خدمة مسرح الطفل والحكاية الشعبية، وتثمينا لعطائه الفني والثقافي.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
