صفوح صادق شاعر فلسطيني
تحتَ سقفٍ من غبارٍ وأمنياتٍ مكسورة،
ينامُ طفلٌ على صفيحِ صبره،
تحتضنهُ أمّهُ كأنها آخرُ ما تبقّى من وطن.
الجوعُ ليس غريبًا،
هو ضيفٌ قديمٌ
يعرفُ ملامحَ الشارع،
ورائحةَ الخبزِ حين يُعجنُ من الهواء.
غزّة…
مدينةٌ لا تموت،
بل تنامُ كلَّ ليلة
وفي فمها “لا” مغموسةٌ بالملح والدم.
الطفلُ الذي لم يذقْ حلوى
يرسمُ قنبلةً على جدار،
ويكتبُ:
“سأكبرُ… لا لأعيش،
بل لأحرسَ اسمي من النسيان.”
أمّه تُخبّئ الحكاياتِ في ثوبها،
وتضحكُ… كي لا يسمعَ الجيرانُ دمعَها،
تقول:
“الصبرُ خبزُنا،
واللهُ معنا،
فمن يكون معهم؟”
غزةُ
تحملُ على كتفها
جراحَ الأرض،
وتوزّعُ ما تبقّى من القمح
على الورد،
والشهداء،
وأطفالٍ يحلمون بلعبة
لا تُشبه الصاروخ.
لكنّهم،
رغم الحصار،
ورغيفٍ يتدلّى من خيطِ السماء،
يرفعون الرؤوسَ كأنّهم الجبال،
ويقولون للريح:
“خذوا الخبز…
واتركوا لنا الكرامة.”
في غزّة،
لا أحدَ يشتكي من الألم،
الألمُ جزءٌ من الأثاث،
والصبرُ، حائطٌ مائلٌ
لا يسقط.
الجوعُ؟
نعم،
لكنه لا يُركعُ مَن تعلّم
أنّ الحريّةَ أغلى من القمح،
وأنّ الوطنَ يُزرعُ في القلب،
لا في الأسواق.
يكتبُ الشهيدُ في وصيّتِه:
“لا تبكوا،
إنّنا نُطعمُ السماءَ من أجسادِنا،
كي لا تجوعَ الأوطانُ أكثر.”
غزّة…
ما بين دمعةِ أمٍّ،
ورغيفٍ لا يكفي طفليْن،
تنمو وردةٌ من دم،
وتقول للعالم:
“ها أنا ذا…
لا أزالُ أحيا،
ولو على حافةِ الموت.”
فيا عالمًا أغمضَ عينيه،
رفقًا بمن
يكتبون أسماءَهم على الجدران
لئلا تُمحى من ذاكرةِ الحجر.
رفقًا بأمٍّ
تخبزُ الدعاءَ بدلَ الطحين،
وبأبٍ
يعدّ أنفاسَ أولاده بدلَ اللُقَم.
غزّة لا تريدُ صدقات،
بل وقفة.
لا تبكي عليها،
بل معها.
ارفعوا عنها الحصار،
لا بأيديكم فقط،
بل بضمائركم.
دعوا الأطفالَ يحلمون،
دعوا البحرَ يُغنّي،
دعوا الحمامَ يعودُ إلى النوافذ
دون أن يخافَ من القنص.
وفي الغد،
حين يسقطُ جدارٌ،
ويُنبتُ الرمادُ قمحًا،
سيقولُ طفلٌ من غزّة:
“نحن انتصرنا،
لأننا لم نجُعْ للكرامة.”
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_
