عبداللطيف البشكار كوذيخة
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية …._نشرت صفحة مملكة اللغة مقالة تنسف نسبة قصيدة صوت صفير البلبل للراوية والفقيه اللغوي الأصمعي و لم يحدد صاحب المنشور مؤكدا على استحالة أن بنظم الأصمعي هذه القصيدة الركيكة المليئة بالأخطاء النحوية والعروضية ولغتها أقرب للهجة مستهجنة ليست فصيحة خاصة في العصر العباسي عهد هارون الرشيد وقد قلت هذا الرأي منذ عقود فالتجديد لا يخل بأصول لسانيات اللغة العربية ومراعاة التطور للسياق التاريخي التداولي عموما هذا محتوى المقال:
الأخطاء النحوية واللغوية في القصيدة الركيكة المكذوبة: (#صوتصفيرالبلبل)!
تسمى شعرا وليست بشعرٍ ولا شعورٍ، فهو لا يتجاوز كونه قصائد مكسورة وزنا ومملوءة بالأخطاء لفظا ومعنى.
إنها القصيدة المنسوبة كذبا وزورا إلى إمام لغوي وثقة راوية وهو عبدالملك بن قريب الأصمعي الباهلي (١٢١-٢١٦هـ).
أولاً: هذه القصيدة ركيكة جدا لفظاً ومعنى ومكسورة وزنا، ولا يصح أن تنسب لزمن المنصور والأصمعي، لأن المتتبع للأدب العربي يعرف أنها من مفتريات القرون الهجرية المتأخرة.
ثانياً: الأصمعي من أئمة اللغة العربية ولم يعُرف بقول الشعر ولم يروَ عنه، بل كان هو من كبار رواة الأشعار وعلماء اللغة الذين حفظوها من الضياع فكيف ينسب له هذا الشعر الغث المكسور.
ثالثا: القصة المذكورة لم ترد في مصدر موثوق ، ولم أجدها بعد بحث طويل إلا في كتابين ، الأول : إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ، لمحمد دياب الإتليدي ( ت بعد 1100هـ ) وهو رجل مجهول لم يزد من ترجموا له على ذكر وفاته وأنه من القصّاص ، وليس له سوى هذا الكتاب .
والكتاب الآخر : مجاني الأدب من حدائق العرب ، للويس شيخو ( ت 1346هـ ) ،وهو رجل متّهم ظنين ، ويكفي أنه بنى أكثر كتبه على أساس فاسد – والتعبير لعمر فرّوخ ( ت 1408هـ ) – وكانت عنده نزعة عنصرية مذهبية ، جعلته ينقّب وينقّر ويجهد نفسه ، ليثبت أن شاعراً من الجاهليّين كان نصرانياً ( راجع : تاريخ الأدب العربي 1/23) .
ويبدو أن الرجلين قد تلقفا القصة عن النواجي ( ت859هـ ).
وللأسف قد يظن بعض الناس أن كل ما يُروَى في كتب التاريخ والسيرة والأدب صار جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الإسلامي ، لا يجوز إنكارُ شيء منه ! وهذا تنكر بالغ للتاريخ الإسلامي الرائع ، الذي يتميز عن تواريخ الأمم الأخرى بأنه هو وحده الذي يملك الوسيلة العلمية لتمييز ما صح منه مما لم يصح،وهي نفس الوسيلة التي يميَّز بها الحديثُ الصحيح من الضعيف، ألا وهو الإسناد الذي قال فيه بعض السلف: ( لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء).
كل من يقرأ القصيدة “البلبلية” وهو لغوي سوف يضحك من كثرة أخطائها وجمعها لمفردات لم ترد أصلا في اللغة وهذه الأخطاء لا يقع فيها مبتدئ في علم اللغة فكيف نصدّق أن يقع فيها رجل كالأصمعي من أكبر علماء اللغة؟! وهذه بعض الأمثلة من مطلعها، يقول:
صوتُ صفير البلبلِ
هيّج قلبي الثملِ
والصواب : هيج قلبي الثملا وهو تابع لقلبي المنصوب بهيّج، ثم قال:
فكم وكم تيمني
غزيّلٌ عقيقلِ
والصواب: غزيلٌ عقيقلُ بالضم تابع للفاعل المرفوع فكيف يجوز كسره، وكذلك لا توجد في العربية مفردة عقيقل، وقد حاول أحدهم وشرحها بأنها مكونة من كلمتين أي عقيق لي أي مثل العقيق فأقول له هذا من أعجب الشروح المضحكة! وهناك مثلها في هذه القصيدة كثير لا أستطيع في هذه العجالة حصرها لكم وهي مفردات ليست من العربية في شيء مثل الدمدملي والطبطبلي والعرنجل وغيرها ليست موجودة في معاجم العربية.
وكم أتعجب من اجتهاد بعضهم في شرحها وهي ساقطة لغة وقواعد إعرابية وليست على قياس لغتنا الفصحى، إضافة إلى أنها مكسورة الوزن في بعضها أو من أوزان مختلفة.
وكل مهتم بالشعر ، ودارس لأدق دقائقه يكتشف أن القصيدة هذه كتبها الكاتب الملفق بطريقة مختلقة جدا، بيّن فيها الاختلاق والكذب عروضيا ، فهو طبعا ملفق ، ولكن ملفق يفهم طبيعة التاريخ ، وطبيعة الرجل الذي يريد أن يلفق له هذه التفاهات ، قام بكتابة ما كتبه على بحر شعري عربي قديم يسمى الرجز ، والمشهور عن الأصمعي – رحمه الله- أنه كان من المهتمين بجمع الأراجيز العربية القديمة ؛ لأنه كان لغويا عظيما ، والأراجيز التي كتبها العرب كانت هي مجمع اللغة ، ومستقى كل لغوي ، ولكنه كان جاهلا بهذا البحر ، وسقط في أشياء ، لا يقع فيها أبسط دارس لعلم العروض العربي ، أبيات لا يستقيم فيها الوزن العروضي ، وهي على الشكل التالي ، كنموذج للدرس العروضي ، وتبيين سقم الأبيات ، وسوء فهمها:
والبيت الأول في هذه الثلاثة لا يستقيم عروضيا ، ولا علاج له. والاثنان الأخريان موزونان على مجزوء الكامل ، وهو بحر مقارب للرجز.
وإني لأصم آذاني عن سماعها عندما أحضر بعض الأعراس ويقوم أحدهم باستعراض عضلاته الأدبية وينشدها ويصفق له الحضور ويشكرونه عليها، مما يجعلني آسف لحال الفصحى التي باتت مضيعة بين أبنائها.
وبعد: فإنه يصدق على هذه القصّة قول عمر فرّوخ رحمه الله: (إن مثل هذا الهذر السقيم لا يجوز أن يُروى، ومن العقوق للأدب وللعلم وللفضيلة أن تؤلف الكتب لتذكر أمثال هذا النظم).
ثم إن أبا جعفر المنصور لم تقع عينه على الأصمعي ولم يسمع باسمه ..فالأصمعي لم يظهر إلا عن طريق ” الفضل بن ربيع” حاجب هارون الرشيد الذي سعى لتقديمه إلى الرشيد فأحبه وقربه منه.
طبعا هذا الكلام الفارغ من بحر الرجز ( مستفعلن ) ومكسور كسرا بينا وكذلك ( فقالت لا تولولي ) .. فهل تصدق ان يقف اي انسان أمام الخليفة ليقول له كلاما بدون معنى مع اخطاء في النحو والوزن، وهل تصدق ان الخليفة لم يكن سيأمر بقطع رأسه على الفور!
-وبعيدا عن خزعبلات الجارية التى تحفظ من مرة والعبد الذى يحفظ من مرتين، ألم يكن كافيا ان يقول الخليفة: لقد سمعت هذه القصيدة من قبل ..من كان سيجرؤ ان يناقشه ؟ أما عن الحفظ، فما الذي يمنع من حفظ هذا الكلام.
