«صديقة الشيطان» لهناء المريض: حين تصبح الحقيقة فعلاً شعرياً
تقديم: د. هشام عوكل
25 سبتمبر 2025
حين تختار شاعرة لديوانها الأول عنواناً مثل «صديقة الشيطان»، فإنها لا تمنح القارئ مفتاحاً سهلاً للدخول إلى نصوصها، بل تضعه منذ اللحظة الأولى أمام سؤال مفتوح على احتمالات كثيرة. فالعنوان يربك التوقعات، ويوقظ الفضول، ويستدعي شبكة واسعة من الدلالات الدينية والنفسية والاجتماعية والرمزية. غير أن الشاعرة الليبية هناء المريض لا تستخدم هذا العنوان بحثاً عن إثارة عابرة أو صدمة مجانية، وإنما تتخذه عتبة فنية تقود إلى عالم شعري منشغل بالحقيقة والحرية وحق الإنسان في الاختلاف والرفض.
صدر الديوان بوصفه التجربة الشعرية الأولى للشاعرة، لكنه لا يبدو عملاً متردداً أو خجولاً. فمنذ عنوانه، يكشف عن صوت يسعى إلى تأسيس حضوره الخاص بعيداً عن القوالب المألوفة. نحن أمام شاعرة لا تريد من القارئ أن يطمئن سريعاً إلى معنى جاهز، بل تدعوه إلى الدخول في حوار مع النص، وإعادة النظر في المسلمات التي تحكم أحكامه على الأشياء والأشخاص والكلمات.
بين الرقابة وحرية التعبير
واجه الديوان في بداية طريقه اعتراضاً من الهيئة العامة للثقافة، بسبب نص احتمل معاني فضفاضة قد تُفسر على نحو يتجاوز مقصده الشعري. وقد وجدت الشاعرة نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على رؤيتها الإبداعية من دون أن يتحول الخلاف حول التأويل إلى عائق يمنع العمل من الوصول إلى القارئ؟
اختارت هناء المريض التعديل، لكنها لم تعتبره تنازلاً عن جوهر تجربتها. وهنا تظهر قدرتها على التمييز بين التمسك بالموقف وبين الجمود عند صيغة واحدة. فالنص الأدبي ليس حجراً مغلقاً، بل كائن قابل للمراجعة وإعادة البناء، شرط ألا يفقد روحه الأساسية.
إن هذه الواقعة تطرح سؤالاً يتجاوز الديوان نفسه: أين تنتهي مسؤولية المؤسسة الثقافية، وأين تبدأ حرية المبدع؟ وهل يُحاسب النص على ما يقوله بالفعل، أم على ما قد يتخيله بعض القراء فيه؟
الأدب بطبيعته يحتمل تعدد المعاني، والشعر على وجه الخصوص لا يعيش إلا في المسافة الفاصلة بين العبارة وتأويلها. ولذلك فإن إخضاع النص الشعري لتفسير واحد يُفقده جانباً أساسياً من طبيعته. فالشاعر لا يكتب تقريراً إدارياً، وإنما يصنع لغة تضيء مناطق خفية في الوعي، وقد تُربك القارئ بقدر ما تمنحه المتعة والمعرفة.
العنوان بوصفه عتبة للتأويل
ليست عناوين الكتب مجرد أسماء توضع على الأغلفة، بل هي عتبات أولى تقود إلى داخل النص. ومع ذلك، تبقى عاجزة عن اختزال العمل الأدبي بكامله. وهذا ما تدركه هناء المريض حين تصف العنوان بأنه «اجتهاد كاتب في اختزال كتاب كامل في كلمة».
ينطوي هذا القول على وعي نقدي واضح. فالعنوان لا يملك سلطة تفسير النص كله، ولا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق عليه. إنه إشارة أولى، وربما يكون فخاً جمالياً يدفع القارئ إلى الاعتقاد بأنه عرف الكتاب قبل أن يقرأه، ثم يكتشف أن النصوص تقوده إلى مناطق مختلفة عما توقع.
أما عبارة «صديقة الشيطان»، فلا ينبغي أن تُفهم ضمن معناها الحرفي المباشر. فالشيطان في المخيال الأدبي قد يكون رمزاً للإغواء، أو للخوف، أو للمعرفة المحرمة، أو للجانب المظلم الذي يخفيه الإنسان خلف صورته الاجتماعية. وقد يكون أيضاً صورة تصنعها الجماعة لمن يخرج عن المألوف ويرفض الخضوع لمعاييرها.
من هنا، لا يقدم العنوان إجابة بقدر ما يطرح سؤالاً: من هي صديقة الشيطان؟ أهي المرأة التي تقول «لا»؟ أم التي ترفض الصمت؟ أم التي تقترب من المناطق التي يخشى الآخرون النظر إليها؟ وهل الشيطان هنا حقيقة قائمة بذاتها، أم وصف يطلقه المجتمع على كل من يربك عاداته ويكشف تناقضاته؟
تكمن قوة العنوان في أنه لا يحسم أياً من هذه الاحتمالات، بل يتركها مفتوحة أمام القارئ. وهذا الانفتاح ليس غموضاً مجانياً، وإنما عنصر من عناصر التجربة الشعرية.
الحقيقة في مواجهة الأقنعة
تقول هناء المريض: «الحقيقة بوجهها الواحد، قد يراها البعض مرعبة فيختبئون خشيتها في غياهب الزيف».
تكشف هذه العبارة عن أحد المرتكزات الفكرية في تجربتها. فالمشكلة، وفق رؤيتها، ليست في الحقيقة نفسها، بل في قدرتنا على احتمالها. كثيراً ما يهرب الإنسان إلى المجاملة أو الإنكار أو الصمت، لا لأنه يجهل الحقيقة، وإنما لأنه يخاف النتائج المترتبة على الاعتراف بها.
هنا يتحول الشعر من ممارسة لغوية إلى مواجهة أخلاقية. فالشاعرة لا تكتب لتزيين الواقع، ولا لتقديم نسخة مريحة منه، بل لتزيح الأقنعة التي تراكمت فوقه. وهي تدرك أن هذا الفعل قد يثير القلق أو الرفض، لأن الكلمات الصادقة لا تمر دائماً بسلام في البيئات التي اعتادت الصمت والمهادنة.
لكن الحقيقة في الشعر ليست حكماً قضائياً نهائياً، بل تجربة ذاتية تخرج من أعماق صاحبها. إنها الحقيقة كما عاشتها الشاعرة وشعرت بها وأعادت تشكيلها في اللغة. ولذلك لا تطلب هناء من القارئ أن يوافقها، وإنما تطلب منه أن يقرأها بعيداً عن الأحكام المسبق
