ابراهيم عطا : كاتب فلسطيني
يا فرنسي، ما لك و ما لي؟، وما لك وما لمالي أو بوركينا فاسو؟، وما لك وما للنيجر وثرواتها اذا كان شعبها راضيا وعازما على حماية سيادة بلاده وثرواته الطبيعية وبيعها بالرخيص او الغالي، للروسي او الصيني او حتى الصومالي؟…
بعض الدول المستعمرة (بكسر الميم) ما تزال تتعامل مع مستعمراتها السابقة كمزارع تابعة لها يعمل فيها الملايين من العبيد، وليس كدول مستقلة ذات سيادة تستطيع أن تدير شؤونها وتستفيد من خيراتها بما ملكت من امكانياتها وخبراتها، …
فرنسا لا تستطيع حتى اليوم أن ترى في مستعمراتها السابقة ندا لها، قد يكون له طموحه وتطلعاته في الحرية والتقدم وتقرير المصير، ولا تريد أن تفهم ان عقليتها الاستعمارية لم تعد تصلح لعصرنا هذا، ولم تعد مقبولة لدى الدول الاخرى، او بالاحرى غالبيتها، لانه وللأسف ما زال البعض من هذه الدول يعاني من عقدة “المسيو” أو السيد، ولا يستطيع ان يكون حرا، ويشعر دائما بالخضوع والخنوع ويتوجب عليه الوقوف والركوع حتى لو كان على حساب شعبه وجيرانه، وكأنه يتلذذ ببقائه كمزرعة او ساحة او حتى سريرا للمسيو الفرنسي…
وهذه الدول التي تعاني من متلازمة ستوكهولم اي “العاشقة لمغتصبها” تعمل اليوم على اشعال حرب جديدة قد تمتد الى كل دول الساحل والصحراء وليس النيجر فقط، بعد ان اعطت قمة “الاكواس” الموافقة على التدخل العسكري، وتقديم كل انواع التسهيلات العسكرية والسيادية لماما فرنسا كي تبدأ عملا عسكريا غير مسبوقا “لاعادة الرئيس محمد بازوم الى السلطة”، او بصريح العبارة لضمان عودة تدفق اليورانيوم وغيره من ثروات النيجر الى باريس وبالشروط الفرنسية…
وفرنسا طبعا ليست استثناءا بين الدول الاستعمارية وعقلية الغطرسة والعنجهية، فهي من نفس المدرسة الامبريالية الصهيونية التي تسرق وتقتل وتضطهد باسم الحرية والسلام والديمقراطية..
وهناك الكثير من الامثلة على انواع السرقة المتحضرة للدول الغربية والاستعمارية المعاصرة، فمثلا ما تتناقله الاخبار اليوم عن التوصل لاتفاق ايراني امريكي لتبادل عدد من ألمساجين من البلدين، وكذلك الافراج عن أموال إيرانية “مجمدة”، وهنا لا بد من الوقوف عند كلمة مجمدة، والسؤال هل ضربتها موجة صقيع بدرجة ٤٠ تحت الصفر، ام انها كانت تحت جليد المحيط المتجمد الجنوبي؟، بالطبع لا، فالاموال المجمدة في البنوك الغربية كانت مصادرة من قبل دول الاستعمار العصري او بالعربي الفصيح مسروقة…فباي حق يتم “تجميد” أموال شعوب دول مثل افغانستان و ليبيا وايران وغيرها، بينما هي في امس الحاجة اليها؟..
ومثل آخر على السرقة هو سرقة العقول والسيطرة على طرق تفكيرنا، فقد تابعنا خلال هذا الاسبوع الذكرى ٧٨ لجريمة هيروشيما و ناكازاكي، ورأينا كيف ان معظم وسائل الاعلام كانت تتحدث عن تلك القنابل النووية التي سقطت على المدن اليابانية وعن هول الكارثة وأعداد الضحايا وما الى ذلك، وكأن تلك القنابل كانت “ربانية” وسقطت من السماء كما يسقط المطر، دون ذكر الفاعل، أو “المجرم الامريكي” الذي استخدم السلاح النووي وقتل مئات الالاف من المدنيين، ولا عن محاسبته او حتى المساءلة في شرعية حقه في امتلاك هذا النوع من الاسلحة الخطيرة على البشرية…
لقد اجبرونا لسنوات طويلة على تقبل عقلية راعي البقر وسياسة قتل الهنود الحمر، والتصفيق لعربدة “الرامبو” الخارق والحازم والترحيب بهيمنة “المسيو” الناعم، ولكن عليهم أن يفهموا ان عصر الظلم والاستهبال انتهى وأن دول أفريقيا كبرت ونضجت ولم تعد تتقبل املاءات المستعمرين…
واخيرا تحية الى أبطال المقاومة الفلسطينية الذين يتصدون لآخر استعمار تبقى على وجه الارض، والرحمة لشهيد اليوم في طولكرم، محمود جراد…وجمعة طيبة لكل الاحبة…ابو انس
