شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تشهد بلجيكا تراجعًا حادًا في معدلات المواليد، في اتجاه يهدد مستقبلها الديموغرافي. الأرقام الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاء البلجيكي “ستاتبيل” تكشف أن عدد المواليد في 2023 بلغ 110,198 فقط، بانخفاض نسبته 15% مقارنة بعام 2010، وسط توقعات باستمرار التراجع في 2024. هذا الانخفاض ليس مجرد رقم، بل أزمة حقيقية قد تغير ملامح المجتمع البلجيكي خلال العقود القادمة.
أرقام صادمة: تراجع مستمر في معدلات المواليد
تشير البيانات إلى أن عام 2024 قد يكون الأسوأ في تاريخ بلجيكا الحديث، حيث تم تسجيل 99,990 ولادة فقط بين يناير ونوفمبر، بمعدل شهري لا يتجاوز 9,090 مولودًا. هذه الأرقام تجعل من المستبعد الوصول إلى 110,000 مولود بنهاية العام، ما يعزز مسار التراجع المستمر منذ 2011، باستثناء ارتفاع طفيف في 2021 نتيجة فترات الإغلاق خلال جائحة كورونا.
ليس هذا فحسب، بل إن معدل الخصوبة الإجمالي انخفض إلى 1.47 طفل لكل امرأة في 2023، مقارنة بـ1.7 طفل في العقدين الماضيين، بينما يتطلب تعويض الأجيال وصول المعدل إلى 2.1 طفل لكل امرأة. الأمر الذي يهدد مستقبل التوازن السكاني، كما يحذر عالم السكان برونو ماسكيلييه، الذي أشار إلى أن تراجع عدد النساء في سن الإنجاب يزيد من خطورة الأزمة.
لماذا ينهار معدل الخصوبة في بلجيكا؟
وفقًا للخبير الاقتصادي Jean Hindriks “جامعة لوفان UCLouvain”، فإن أحد أهم العوامل المؤثرة هو “تأجيل الإنجاب”، حيث بات الشباب يفضلون تأخير إنجاب طفلهم الأول إلى ما بعد سن الثلاثين، بسبب المخاوف الاقتصادية وعدم الاستقرار الاجتماعي.
إلى جانب ذلك، هناك عوامل رئيسية أخرى تساهم في تراجع المواليد، أبرزها:
الأوضاع الاقتصادية الصعبة: ارتفاع تكاليف المعيشة، أزمة الإسكان، وعدم الاستقرار الوظيفي تجعل قرار الإنجاب أكثر صعوبة.
التوترات الجيوسياسية: الحروب والصراعات العالمية تلقي بظلالها على الشعور بالأمان لدى الأفراد، مما يدفعهم لتأجيل أو حتى التخلي عن فكرة الإنجاب.
الاحتباس الحراري والمخاوف البيئية: ازدياد الوعي بمشكلات المناخ يجعل بعض الأزواج يعيدون التفكير في إنجاب أطفال في عالم غير مستقر بيئيًا.
التغيرات الاجتماعية: تزايد معدلات الطلاق، ارتفاع نسب النساء العاملات، وعدم المساواة في تحمل مسؤوليات الأسرة، كلها عوامل تجعل إنجاب الأطفال قرارًا أكثر تعقيدًا.
شيخوخة السكان: قنبلة موقوتة
منذ عام 1972، تعاني بلجيكا من انخفاض مستمر في معدل الاستبدال السكاني، حيث لم يعد هناك ما يكفي من المواليد لتعويض الوفيات. هذه الظاهرة تعني أن المجتمع البلجيكي يسير بخطى ثابتة نحو الشيخوخة السكانية، مما سيؤثر على سوق العمل، أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية.
ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى انخفاض عدد السكان مستقبلاً، إلا إذا تم تعويضه بزيادة كبيرة في معدلات الهجرة، وهو ما يثير تحديات اجتماعية وسياسية إضافية.
مستقبل مقلق: هل يمكن عكس هذا الاتجاه؟
يؤكد ماسكيلييه أن “التاريخ لا يُظهر حالات كثيرة لانتعاش معدلات الخصوبة بعد انخفاضها الحاد”، مما يعني أن بلجيكا قد تكون أمام تحدٍ دائم يتطلب تغييرات جذرية في السياسات الديموغرافية والاقتصادية.
من الواضح أن أزمة انخفاض المواليد ليست مجرد ظاهرة مؤقتة، بل قضية معقدة تستدعي تحركًا سريعًا من الحكومة والمجتمع قبل أن تتحول إلى كارثة سكانية لا يمكن السيطرة عليها.
وكالات
