د.محمد عباس ناجي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_وجّه المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي في خطبة صلاة عيد الفطر التي ألقاها في 30 مارس 2025، تهديدات مباشرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بــ”تلقي صفعة قوية ومباشرة” في حالة ما إذا أقدمتا على هجوم مباشر ضد إيران. لكن رغم ذلك كان لافتاً أن خامنئي استبعد هذا الهجوم المباشر، حيث اعتبر أن احتمالاته ضعيفة إلى حد كبير، مشيراً إلى أن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو اتجاه واشنطن وتل أبيب نحو العمل ضد النظام الإيراني من الداخل، أو السعي إلى تغيير النظام عبر تعزيز فرص اندلاع ثورة يمكن أن تطيح به من الحكم، بعد 46 عاماً منذ اندلاع الثورة التي أطاحت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي في 11 فبراير 1979. إذ قال خامنئي في هذا الصدد: “أمريكا والكيان الصهيوني تهددان بمهاجمتنا، وهو أمر لا نعتقد بإمكانية حدوثه بدرجة كبيرة، لكن إذا ألحقتا بنا ضرراً فستتلقيان صفعة قوية بالتأكيد”، مضيفاً: “إذا فكرتا في إثارة فتنة داخلية على غرار ما فعلتا في السنوات الماضية، فإن الشعب الإيراني هو الذي سيرد عليهما”.
أسباب عديدة
يمكن تفسير ترجيح إيران سيناريو الهجوم من الداخل في ضوء أسباب عديدة يتمثل أبرزها في:
1- تكلفة الهجوم من الخارج: ترى إيران أن التكلفة التي سوف تتكبدها الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل بسبب الهجوم العسكري الذي يمكن أن تقوما بشنه ضد إيران يمكن أن تمثل متغيراً ضاغطاً على الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، يدفعهما إلى التفكير في خيارات أخرى لإدارة التصعيد مع إيران، ومنها العمل على تقويض دعائم النظام من الداخل عبر نشر الفوضى وعدم الاستقرار وتعزيز فرص نشوب احتجاجات جديدة.
وربما يتوافق ذلك مع التهديدات المستمرة التي يطلقها المسؤولون العسكريون الإيرانيون، على غرار قائد القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري أمير علي حاجي زاده، الذي قال، في 30 مارس 2025، إن الولايات المتحدة الأمريكية لديها عشر قواعد في المنطقة و50 ألف جندي، وهذا يعني أن الأمريكيين يجلسون في غرفة زجاجية، مضيفاً: “من كان بيته من زجاج فلا يُلقي الناس بالحجارة”. وسبق أن سمحت إيران لبعض المسؤولين الآخرين بنقل تلك التهديدات عبر وسائل الإعلام الغربية، على غرار صحيفة “تليجراف”، التي نقلت على لسان قائد عسكري إيراني، في 30 مارس 2025، تهديداً بإمكانية استهداف القاعدة العسكرية الأمريكية في دييجو جارسيا في حالة ما إذا تعرضت إيران لهجوم عسكري.
2- توافر محفزات الفوضى في الداخل: رغم أن إيران حريصة على الترويج لأن الاستقرار بات يمثل سمة رئيسية لما يجري على الساحة الداخلية، ولا سيما بعد أن نجحت في احتواء الاحتجاجات الضخمة التي اجتاحتها في الفترة من منتصف سبتمبر 2022 وحتى بداية يناير 2023، اعتراضاً على وفاة الفتاة الكردية مهسا أميني على أيدي عناصر شرطة الأخلاق الذين اتهموها بعدم الالتزام بقواعد ارتداء الحجاب؛ إلا أن ذلك لا يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض، التي تشير إلى أن هناك محفزات حقيقية قد تعزز من احتمال دخول إيران في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الداخلي.
إذ لم تنجح السلطات الإيرانية في معالجة الأسباب الحقيقية للاحتجاجات، حيث اعتمدت فقط على الخيار الأمني عبر تنفيذ أحكام إعدام بحق بعض الناشطين والمدانين باستخدام العنف ضد عناصر الشرطة خلال الاحتجاجات، فضلاً عن اعتقال البعض الآخر. لكن هذه الإجراءات لم تمنع الشارع “المحتج” من توجيه رسائل مضادة مفادها أنه يمكن أن ينتفض مجدداً ضد النظام عندما تأتي فرصة لذلك. وقد بدأ بعض المؤيدين لهذه الاحتجاجات في توجيه رسائل أكثر عنفاً، على غرار اغتيال القاضيين في المحكمة العليا الإيرانية محمد مقيسه وعلي رازيني، في 18 يناير 2025. إذ كان رازيني متورطاً في إصدار أحكام بالإعدام ضد قيادات وعناصر من المعارضة الإيرانية في عام 1988، والتي عرفت إعلامياً باسم “مذبحة المعارضة”. كما كان مقيسه أحد القضاة الذين أصدروا أحكاماً بالإعدام على بعض الناشطين في احتجاجات عام 2022. وقد فرضت عليه عقوبات من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بسبب اتهامه بالتورط في ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
3- استمرار ظاهرة “الثغرات الأمنية” داخل إيران: ما زالت إيران تعاني من ظاهرة “الثغرات الأمنية” التي بدت جلية خلال المرحلة الماضية، عندما استطاعت إسرائيل تنفيذ عمليات أمنية واستخباراتية نوعية داخل إيران نفسها، كان آخرها اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في أحد المقرات التابعة للحرس الثوري في العاصمة طهران بعد مشاركته في مراسم تأدية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اليمين الدستورية في مجلس الشورى الإسلامي في 31 يوليو 2025.
ورغم إعلان إيران المتكرر عن تفكيك خلايا تابعة لأجهزة استخبارات أجنبية في الشهور الماضية، إلا أنه لا توجد مؤشرات توحي بأنها استطاعت “إغلاق” تلك الثغرات، التي يتوقع أن يتسع نطاقها في المرحلة القادمة، في ضوء اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية نحو ممارسة ضغوط أكبر على طهران من أجل القبول بإجراء مفاوضات مباشرة حول الملفات الخلافية المختلفة، حيث قد تقوم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أو جهاز الموساد الإسرائيلي بتنفيذ عمليات جديدة سواء داخل إيران أو خارجها، لاستهداف المنشآت النووية أو القادة العسكريين البارزين. لكن إيران ربما لا ترى أن مخاطر تلك الثغرات تتوقف عند ذلك الحد، بل تصل إلى درجة النفاذ إلى الداخل وتأجيج فرص اندلاع احتجاجات جديدة قد تتطور إلى ثورة ربما تنجح في الإطاحة بالنظام، أو تتحول إلى فوضى عارمة تقوض من دعائمه.
4- تصاعد نشاط المعارضة في الخارج: يرصد النظام الإيراني من دون شك التحركات التي تقوم بها قوى المعارضة الإيرانية في الخارج، ولا سيما المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذي يسعى إلى استقطاب دعم العديد من الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، للبرنامج السياسي الذي يتبناه، وذلك عبر تنظيم مؤتمرات يشارك فيها مسؤولون غربيون، أو أكاديميون قريبون من دوائر السلطة في الدول الغربية، فضلاً عن دعم السياسة التي تتبناها تلك الدول تجاه إيران، على غرار السياسة الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني.
حيث يدعو المجلس صراحة إلى تفكيك هذا البرنامج باعتبار أنه يمثل خطراً على دول المنطقة والقوى المعنية بأزماتها. وفي رؤية النظام، فإن هذا النشاط البارز لقوى المعارضة تزايد في أعقاب تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، ولا سيما بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، حيث بدأت هذه القوى في شن حملة دعائية داخل الدول الغربية للتضخيم من دورها والترويج لقدرتها على استنساخ النموذج السوري داخل إيران وبالتالي الحلول محل النظام الحالي، الذي ينتج سياسة عدائية تجاه إسرائيل والدول الغربية على حد سواء.
5- تأثير توسيع إسرائيل نفوذها بالقرب من إيران: لا يستبعد قادة النظام الإيراني أن تحاول إسرائيل استغلال وجودها بالقرب من حدود إيران وعبر جهات مختلفة من أجل دعم فرص نشر الفوضى داخل إيران بهدف تقويض دعائم النظام. ومن هنا يمكن تفسير أسباب تزايد قلق إيران من الوجود الإسرائيلي في أذربيجان وشمال العراق، حيث ترى أن إسرائيل سبق أن استخدمت هذا الوجود، لا سيما عبر شمال العراق، من أجل تهريب الأسلحة إلى داخل إيران خلال الفترة التي شهدت الاحتجاجات العارمة ما بين منتصف سبتمبر 2022 وحتى بداية يناير 2023، على نحو دفعها إلى شن هجمات صاروخية ضد موقع ادعت أنه تابع لجهاز الموساد الإسرائيلي في أربيل بشمال العراق في 16 يناير 2024.
ضغوط الوقت
مع ذلك، ورغم ادعاءات إيران بأن الهجوم من الداخل قد يكون أكثر ترجيحاً، لا يمكن استبعاد أن يكون الهجوم من الخارج، فالهجوم من الداخل قد يستغرق وقتاً، فضلاً عن أن نتائجه غير مضمونة في كل الأحوال، إلى جانب أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تبدوان في عجلة من أمرهما لحسم الصراع مع إيران خلال الفترة القادمة. لكن الهجوم من الخارج ما زال متوقفاً على متغير آخر هو مدى استجابة إيران للضغوط الأمريكية الخاصة بإجراء مفاوضات مباشرة حول الملفات الخلافية المختلفة، إذ إن حدود الاستجابة الإيرانية هي التي سوف تحدد في النهاية ما إذا كانت إيران ستتعرض لهجوم عسكري من الخارج من عدمه.
انترريجرونال للتحليلات الاستراتيجية
