نعيمة الطاهر
جلستُ امام مرآتي وهممتُ بفك ربطة شعري لاقوم بتسريحه كما تعودتُ كل صباح .. إنتبهت إلى يدي وهي تحاول إمساك الهواء،، فلا شعر فوق رأسي . .
قربتُ وجهي إلى المرآة وامعنت النظر .. فعلا لم يعد هناك من شعر يغطي راسي .. لمعت نظرة في عيوني ، نظرت داخلهما ملياً ثم خاطبت نفسي :
_ خيرك .. شنو نسيتي .. ماهو شعرك كله طاح بسبب تناولك جرعات الكيماوي .!
_ نعرف .. وليس مهماً ان سقط شعري الخصلة تلو الأخرى ، يكفيني اني لم اسقط في براثن اليأس ، وحفر الحقد والغل ..
عاودتُ النظر في المرآة ، لاحت إبتسامة سمحة في عيني ، ووجدتني أغوص من خلالهما في ” ماضي زال ” . .
جلت في سنوات عمري السابقة ، منذ ان كنت طفلة ، ورايتني بعيون قلبي ، تعددت أمامي الصور .. خفق قلبي خفقة لها مابعدها .. هززت رأسي بقوة ، تركت الكرسي امام المرآة واتجهت إلى الدولاب ، حيث يسترخي ” البوم ” الصور بين ثيابي وأمتعتي .. مددتُ يدي إليه ، حاول ان يمتنع عن الإستجابة لي وكان لسان حاله يقول :
فكك .. علاش تنوضي على روحك في المواجع !
شددته من أذنه ، حتى اوجعته ، وامرته ان يفتح باب الذكريات ، إنصاع صاغراً متردداً ..
تصفحت الصور التي تراصفت دونما ترتيب زمني .. ودونما تسلسل للأحداث ..
لم افكر طويلاً وانا ابحث عن صور بعينها ، تلك التي كان شعري فيها واضحاً ، وراسي حاسراً بدون غطاء . .
هذه صورة قديمة منذ كنت في الصف الثالث الابتدائي ، أبيض واسود ، تبسمت وانا أتمعنها ، كنت طفلة صغيرة ترتدي ” فيلو ” ومناسبة الصورة هو تواجدي في منزل عمتي نفيسة رحمها الله ، في شارع بالخير ، كانوا يسمونه ” العلي ” اي الدور الثاني ، عمتي تلك كانت زوجة المرحوم علي الشين صاحب ” كوشة ” مصباح ، يبدو ان وجودي عندهم قد تزامن مع حفلة ” ربيع ” لعرس إبنة جيرانهم ، فألبستني عمتي صحبة إبنتها آمنة ، ذلك الفستان الأبيض الجميل ، وبعد انتهاء الحفلة ذهبنا إلى المصوراتي الأشهر ” باراقوني ” حيث خلدنا هذه اللحظات السعيدة ، بالتقاط الصور .. شعري في الصورة لم يكن ظاهراً ، فقد وضعت فوقه ” كارونة ” وطرحة قصيرة ، بانت تحتها قصتي المجعدة ..
الصورة الثانية ، كانت برفقة ابي وإخوتي في مربوعتنا في حوش بوي ، بان فيها شعري بظفيرتين قصيرتين وارتسمت على وجهي ابتسامة واسعة ، فيما رفعت أصبعي بإشارة النصر ، كيف لا وقد فاز فريق ابي الذي كنت عضوة فيه انا واختي نجاة ، على فريق إخوتي في لعبة ” الشكبة “
الصورة الثالثة ، كانت لي وانا وسط زميلاتي ، في صورة جماعية أخذناها عندما صورنا لاستمارة الشهادة الثانوية ، في مصوراتي خرواط ، في تغسات بغريان ، ما ميز صورتي تلك هو طريقتي في تسريح شعري ، الكعكة المرفوعة ، وقصة ” بالك ” ، التسمية اطلقتها جدتي لأمي رحمهما الله ، تبرة بنت مقيق ، فلم يكن يروق لها شكل القصة المسدولة على جانب الجبين ، فقد كانت تحبد القصة ” الحفاري ” وترى فيها إشارة إلى الجمال ..
كثيرة هي الصور التي توقفت عندها ، كلها كانت يتوجها شعري ، كنت اعتقد انه تاج الجمال ، ولم اتوقع يوماً ان لا اجده يغطي رأسي ، حتى توقفت امام صورة بعينها .. تلك الصورة التي التقطتها لي أبنتي عند عودتنا من ” المزين ” يوم ان قررت أن أحلق شعري الذي صار يتساقط بطريقة متسارعة ، إلى الدرجة التي صارت فيه المساحات الفارغة ، اكثر من تلك التي فيها بعض الشعيرات ، يومها اتخذت قراري وبكل شجاعة ، يجب ان ازيل تلك الشعيرات التي مآلها إلى سقوط .. تلك الصورة اظهرتني في حال من الرضا عجيب ، وفي مرحلة تصالح مع الذات عميقة ، وفي يقين بقضاء الله والقبول بقدره ، وكان فيها شعري واضحاً وإن بدا قصيراً جداُ ، يشبه شعر حفيدي إبراهيم ، الذي عندنا رآني قال لي :
أميمة .. انا وياك ” مافيولو ” اي متشابهان .
كنت جميلة ولطيفة وراضية ، إلى الدرجة التي جعلتني اعتمد وأداوم كتابة ” هاشتاق ” #انا_الجميلة في كل كتاباتي على الفيس بوك ..
توقفت كثيراً امام الصورة ، واسرعتُ إلى مرآتي لأقارن بينها وهي التي التقطتها قبل شهرين ، وبين شكلي الحالي .. لم يخيفني ان كل شعري قد تساقط ، وأنه قد اصبح ” أصلعاً ” .. لكن الذي ابهجني هذا الهدوء الذي اجتاح نفسي ، وهذه الترانيم التي ملأت قلبي .. كيف لا وأنا أعيش في ملكوت رحمة الله ، تحوطني رعايته ، ويشملني عطفه ، وأطمع ان يمن عليا بالشفاء التام ..
اليوم لا شعر ينسدل على اكتافي ، ولا جدائل أظفرها ، لكني وأمام مرآتي كل صباح .. ساداوم ظفر جدائل من أمل ، تتخللها خيوطاً دهبية من يقين في رحمة الله ..
أظفر جدائل الرضا ، واربطها بشرائط السعادة ، التي تأتيني من شعوري بأني ارفل في معية الله ، ويكتنفني حبه .. فالله إذا ما أحب عبداً إبتلاه .
انا_الجميلة
محاربة نعيمة الطاهر
شبكة المدار الإعلامية الاوروبية …_
