صفوح صادق شاعر فلسطيني
ليس هناك مدنٌ من الانتظار،
ولا حقيبةٌ صغيرة ليد طفلٍ غافٍ على كتف الغيم.
هناك فقط
قبور الجدّات،
مفاتيحُ الأبواب الصدئة،
وعتباتٌ ما زالت تحفظُ دفءَ الأقدام.
هناك ينابيعُ شغفٍ،
وامرأةٌ تُطوِّق القدس بذراعيها،
كأنها تمنعُ الريح عن النوافذ،
وتحرسُ الحلمَ من الانكسار.
في الذاكرة
خبزٌ يخرج من تنور الطفولة،
ليمونٌ يلمع على شرفة الصباح،
ورائحةُ المطر على حجر الدرب
تخبرني أن الطريق لم يمت.
كلما أغمضتُ عيني،
عاد الوطنُ طفلًا
يمسكُ أصابعي
ويمشي بي بين البيوت،
كأننا لم نفترق يومًا،
وكأن الوقتَ نفسه
لا يجرؤ أن يشيخ بيننا.
وأعرف،
حين تعبرُ يدُ أمي شعري،
أن المسافةَ لا تُقاسُ بالكيلومترات،
بل بنبض الأصابع على الرأس،
وبالدعاء الذي يسبق النوم.
أرى القمحَ يتمايل في صدر الحقول،
كما لو كان يرقصُ لتحية العائدين،
وأسمع جدّي يضحك في الظل،
يحمل فوق كتفه قففَ التين،
وعطرَ الأرض يلتصقُ بثوبه
كما يلتصق الاسمُ بملامح صاحبه.
هناك،
تجلسُ نساءُ الحيّ على عتبات البيوت،
يمزجن الملح بالزعتر،
ويخبزن للأفق أرغفةً من صبر،
كأنهن يطعمْن الشمس
كي لا تغرب عن وجوهنا.
حتى الهواء هناك
له طعمُ الحكايات،
وحين أتنفسه في المنام
أصحو وفي فمي فتاتُ قصيدة،
وأعرف أن الوطن
ليس خريطةً نعلّقها على الحائط،
بل رغيفٌ ساخن
نقطعه بأصابعنا
ونقسمه بين من نحب.
وهكذا،
كل الطرق، مهما ابتعدت،
تعود بي إلى تلك العتبات،
إلى مفاتيحٍ أحتفظ بها في قلبي
لا في جيبي،
إلى وجوهٍ تبتسم في ذاكرة المساء
وتجلس معي حول مائدة لا تنتهي.
أمدّ يدي
فيلامسني دفءٌ قادم من زمن آخر،
زمنٍ كان الخبز فيه لغة،
والليمون نشيدًا،
والقدسُ قلبًا يخفق في صدورنا جميعًا.
أغلق عيني
فأرى الوطن يمشي إليّ،
لا كلاجئ ولا كغريب،
بل كأبٍ عاد من سفرٍ طويل،
يفتح ذراعيه،
ويملؤني…
بالخبز، والليمون، والسلام.
شبكة المدارالأعلامية الأوروبية…._
