فيروز الحاسي ((ليبيا))
اللوحة التشكيلية : خلود الزوي ((ليبيا))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_هل خطر ببالك وأنت تجلس على طاولة عرس أن العروس التي تبتسم الآن قد لجأت إلى الزواج هرباً من والدها الذي يقف بجانبك يحيي الضيوف؟
هل تخيلت يوماً أن زوجتك نفسها ربما اختارت الزواج لا حباً فيك، بل ملاذاً من بيت كان يعنفها؟ وهل تستطيع أن تستوعب أن البيوت التي تبدو هادئة من الخارج قد تكون أقفاص أنيقة، والسجانة فيها هي الأم نفسها؟
حين يصبح الزواج تذكرة سفر إلى جحيم جديد، لا إلى حياة آمنة، أدركت في سن مبكر أن بعض البيوت لم تعد ملجأ، بل تحولت إلى سجون صامتة، تُمارس فيها الاضطرابات النفسية المتوارثة جيلاً بعد جيل.
أعلم عزيزي القارئ بأن موضوع المقال يبدو صادم، ولكني عشت تجربة مماثلة، ومن قسوة التجربة، أصبحت أستشعر خبايا البشر، بل أذهب أبعد من ذلك واقرأ تصرفاتهم بعينٍ لا تخطئ الوجع .
أردت اليوم أن أكتب، لا بصفتي باحثة ولا كاتبة، فأنا لستُ كلاهما، بل كصوت أنثوي يؤازر الكثير من الفتيات الصامتات، اللواتي حملن الأسى مبكراً في قلوبهن الصغيرة؛ أمد ذراعي من بين السطور لأعانقهن، هامسة أنتن لستن بمفردكن أنا معك.
كي لا أظل حبيسة تجربتي وحدي ، خطرت لي فكرة الكتابة، فأمسكت هاتفي أبحث وأستشير هنا وهناك، حتى استقريت على فكرة المقالة، وعلى ضوءها جمعت شهادات حية، فصممت استبياناً صغيراً ونشرته بشكل عشوائي في مجموعات نسائية على وسائل التواصل، ولم تمضي سوى سويعات قليلة حتى وصلني 23 رداً من فتيات تتراوح أعمارهن بين 18 و30 عاماً.
النتائج لم تكن عابرة؛ كانت انعكاس لمرآة تجربتي، الجحيم ذاته يتكرر بصور مختلفة، مثلاً في الاستبيان وجدت بأن 69% قلن إن بيوتهن تبدو طبيعية من الخارج لكنها في الداخل ساحة حرب صامتة، 60% أشرن إلى أن الأم هي الأكثر عنفاً وغالباً ما تحرض الأب أو الإخوة، 77% تحدثن عن ضغوط نفسية وعاطفية مستمرة كالإهمال والتحقير والتهديد، و60% اعترفن أن الزواج بالنسبة لهن كان وسيلة للهروب لا رغبة حقيقية.
الشهادات التي وصلتني كانت أقرب إلى مشاهد دارما مسلسلات رمضان.
مشاركة رقم (23) قالت إن أمها ركلتها من أعلى الدرج وبصقت في وجهها كأنها عدوة لا ابنة، لخطأ عابر يمكن يحدث لأي شخص.
ومشاركة أخرى رقم (22) روت كيف كانت أمها تمنعها من العمل بالضرب والتعنيف الفضي.
وثالثة رقم(16) تحدثت عن حرمانها من أبسط الاحتياجات اليومية بحجة أنها أشياء ثانوية وغير مهمة.
وإحداهن لخصت الأمر بمرارة: “لم يكن هناك عنف مباشر دائم لكن المقارنات كانت لا تنته، وكأنها عادة متوارثة، لكنني أقسم أنني لن أنقلها لبناتي.”
العنف هنا لم يكن مجرد خلافات عابرة، بل منظومة متكاملة يتواطأ فيها أكثر الأفراد يفترض أن يكونوا هم الملاذ ، وحين بحثت أكثر، وجدت أن هذه الصورة لم تكن حكاية محلية فقط، فالدراسات العربية وثقت الأمر بوضوح، هناك دراسة أجريت في فلسطين (2007) تبين أن 70% من الفتيات اللواتي أجبرن على الزواج المبكر كان السبب ضغوط أسرية وخلافات عائلية. وفي الأردن (2012) أظهرت دراسة أن القسوة والسيطرة الأبوية وسوء الوضع المادي كانت من أبرز دوافع الزواج المبكر، أما في ليبيا فقد أكدت دراسة الزليتني ونوح (2012) أن العنف الأسري وإلقاء المسؤوليات الثقيلة على عاتق الفتيات القاصرات يدفعهن إلى قبول الزواج المبكر كوسيلة للهروب.
إنها ليست قصصاً فردية ياعزيزي، بل مأساة جماعية تتكرر خلف الأبواب المغلقة، حين تتحول الأم إلى سجان بأسم المحبة والخوف والتربية، والأب إلى متفرج، يصبح البيت مقصلة للإعدام، إعدام الطفولة والأحلام، ويغدو الزواج مهرباً إلى سجن آخر.
الكثير من الفتيات يخرجن من طفولتهن محملات بجروح لا تُرى، بذكريات الطرد والحرمان، بخوف دائم من أن يعيدن ما عشنه مع بناتهن يوماً ما. بعضهن يفقدن الثقة بالحب، ويرون الزواج مجرد صفقة للخلاص لا بداية لحياة
كما يخلف هذا الزواج أثر نفسي عميق، تتعرض به القاصر أو المرأه المعنفه إلى اضطرابات شخصية ينجم عنها اضطرابات في العلاقات الجنسية بينها وبين شريكها، وزيادة ظاهرة العنف مستقبلاً مع أولادها.
ومع ذلك، وسط هذا الظلام، يظل هناك ضوء صغير. مجرد أن تتجرأ فتاة لتقول: “لن أنقل هذا لابنتي”، وأخرى تكتب عن هذا الألم؛ يعني أن حلقة الألم يمكن أن تنكسر.
أعزائي القراء الآن وصلنا للنهاية، شكراً عزيزي لصبرك، وهذه ليست مقالة فحسب بل إنها دعوة لأن نصغي للأفواه المكممه، وأن نعيد النظر في معنى الأسرة، وأن نكسر الصمت.
فالبيوت وُجدت لتكون أوطاناً، لا مصانع للأمراض النفسية.
لهذا كتبت، لأني لا أريد أن يرث أحدٌ جحيمي، بل أن تنبت لبناتنا أجنحه كأجنحة الفراشات، حتى يتسن لهن أن يفتح بيوت مليئة بالأمان لا تشبه المعتقلات.
قائمة المصادر:
مجلة كلية الآداب – جامعة بنغازي
- هناء السبعاوي (2007) دراسة بعنوان أثر الزواج المبكر للفتيات في عملية التنمية الاجتماعية.
- استبيان ميداني شخصي (2025)، إعداد وتحليل: فيروز، حول موضوع زواج القاصرات والهروب من ضغط العائلة، منشور إلكترونياً عبر (جوجل فورمز/صفحات الفيس بوك)، ليبيا.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
