هيفاء علي الهادي
في جيبِ معطفي ينامُ زمنٌ خفيّ،
يُخبّئ وجهَ أمّي حين تبتسم،
ويُخفي صرخةَ طفلةٍ تاهتْ عن الدرب،
ويُدثّرني بأغنيةٍ لم أعد أتذكّر لحنَها.
في جيبِ معطفي ينامُ زمنٌ طويل،
يمدُّ أصابعَه إلى أوراقٍ صفراء،
إلى صورٍ مهزومة،
إلى وجوهٍ رحلتْ دونَ أن تودّعني.
أمشي، والشوارعُ تجهلُ حملي،
الناسُ لا يرونَ أنني أجرُّ مدينةً كاملةً
داخلَ قطعةِ قماش،
ولا يسمعونَ بكاءَ السنين
حين يهتزُّ زرُّ المعطف.
في جيبِ معطفي ينامُ زمنٌ آخر،
زمنٌ يخصّني وحدي،
يخصُّ قلبي المتعب،
ويخصُّ طفولتي التي لم تكتمل.
هناك تختبئُ أصواتٌ لم تذبل بعد:
ضحكةُ أخٍ غاب في غبار الحرب،
خطوةُ صديقةٍ تركتْ ظلَّها على الرصيف،
همسُ صلاةٍ قصيرةٍ لم يكتمل آخرُها.
كلّها تجلس متجاورة،
كأنها على مقعدٍ خشبيّ قديم في محطةِ قطار.
في جيبِ معطفي ينامُ زمنٌ ثقيل،
يُرهقُ كتفي في الليالي الباردة،
وحين أحاول خلعه،
يعودُ إليّ ككلبٍ أليف،
يضعُ رأسَه على ركبتي
ولا يتركني أنام.
في الجيبِ ذاته
أخبّئ رسائلَ لم تُرسَل،
وأسماءً لم تُنطَق في العلن.
هناك يختبئُ العاشقُ الذي لم يأتِ،
والابنُ الذي لم يُولد،
والحلمُ الذي ظلَّ يتيماً في مهد الليل.
أمشي كأنني أحملُ تاريخًا سرّيًا
لا يعرفه أحدٌ غيري.
كلما صافحتني يدُ الغريب،
ارتجفتُ خشيةَ أن يلمسَ الجيب،
فيكتشفَ أن داخلي ليس فراغًا،
بل متحفٌ كاملٌ من الأعمار الضائعة.
في جيبِ معطفي ينامُ زمنٌ عنيد،
لا يصحو إن ناديتُه،
ولا يغفو إن تجاهلتُه.
زمنٌ يشبهني أكثر ممّا يشبه العالم،
زمنٌ يضع تاجًا من غبار على رأسي،مرحبا
ويقول لي:
أنتِ ابنتي الوحيدة.
أنا لن أترككِ،
ولن تدفنيني.
لهذا أمشي صامتة،
وأضع يدي فوق جيبي،
كأنني أحرس سرًّا هائلًا،
كأنني أحتضن طفولتي الميّتة،
وأمنحها قلبًا آخر كي تعيش.
في جيبِ معطفي ينامُ زمنٌ آخر.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
