بقلم: رياض وطار / كاتب وإعلامي جزائري
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_في زمنٍ تتراجع فيه القيم التضامنية وتتصاعد فيه النزعات الفردية داخل المشهد الثقافي العربي، يبرز الكاتب السوري محمد ياسر شرف بمبادرة لافتة تعيد إلى الواجهة السؤال الأخلاقي في علاقة المثقف بالمجتمع.
فقد أعلن الكاتب تبرّعه بقطعة أرض تقدّر قيمتها بمليار ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 180 ألف دولار أمريكي، لصالح بناء سكنات لأعضاء اتحاد الكتّاب العرب.
هذه المبادرة التي بدت للكثيرين “خيالية” في واقع عربي متخم بالانقسامات والحساسيات، حملت في جوهرها رسالة أخلاقية أكثر منها مادية: أن الثقافة ليست ترفًا ولا مهنة للوجاهة، بل هي موقف إنساني قبل أن تكون إنتاجًا أدبيًا.
المثقف بين الرمزية والفعل
لم يكن ما فعله محمد ياسر شرف مجرد تبرّع مالي، بل فعل رمزي كبير يفتح نقاشًا معمّقًا حول الدور الاجتماعي للكاتب العربي.
ففي حين ينغلق كثير من المثقفين داخل “أبراجهم الورقية”، فضّل شرف أن يجعل من الأدب سلوكًا حيًّا يتجسّد على الأرض لا في الصفحات فقط.
لقد عبّر في فعله هذا عن تضامن فعلي مع زملائه الكتّاب الذين يعانون من ظروف معيشية قاسية، مؤكّدًا أن الكلمة تفقد قيمتها إن لم تتجذّر في الواقع الإنساني الملموس.
إسقاط على واقع اتحاد الكتّاب الجزائريين
وفي المقابل، يطرح هذا الحدث تساؤلات حادّة حول اتحاد الكتّاب الجزائريين ودوره الحالي في حماية المبدعين والدفاع عن أوضاعهم الاجتماعية والمهنية.
فعلى الرغم من التاريخ المجيد للاتحاد، الذي كان في زمن مضى منبرًا حرًّا للدفاع عن الثقافة الوطنية وقضايا التحرر الفكري، إلا أنه يعيش اليوم نوعًا من الجمود المؤسسي، تغلب عليه البيروقراطية أكثر من المبادرة.
لقد تحوّل الاتحاد، في نظر كثير من المثقفين، إلى جهاز إداري أكثر منه بيتًا للمبدعين.
قلة النشاطات الجادة، غياب المشاريع التضامنية، ضعف التواصل مع القواعد الأدبية الشابة، وغياب آليات حقيقية لدعم الكتّاب المحتاجين، كلها مظاهر تعكس فجوة بين الخطاب الثقافي والممارسة الواقعية.
الحاجة إلى نموذج جديد
إن مبادرة محمد ياسر شرف يمكن أن تكون جرس إنذار واتجاهًا أخلاقيًا جديدًا يدعو الاتحادات الأدبية العربية، بما فيها الجزائرية، إلى إعادة التفكير في وظيفتها الاجتماعية والثقافية.
فلا يكفي أن تُنظّم الندوات والملتقيات وتُوزّع البيانات، بل ينبغي أن يتحوّل الفعل الثقافي إلى مشروع تضامن حقيقي بين الكتّاب، وأن تستعيد المؤسسات دورها في دعم الأعضاء لا في إدارة ملفاتهم الورقية.
بين المثال السوري والواقع الجزائري
إن الفرق بين النموذجين ليس في القدرة المادية، بل في الروح التي تحرّك الفعل الثقافي.
ففي حين تحرّك محمد ياسر شرف بدافع الانتماء والمسؤولية الجماعية، يعيش كثير من الكتّاب الجزائريين إحباطًا متزايدًا من اتحادهم، الذي يبدو أحيانًا بعيدًا عن واقعهم الإبداعي والاجتماعي.
الكاتب السوري بفعله ذاك أحيا فكرة المثقف العضوي، الذي لا يكتفي بالتنظير بل يساهم فعليًا في تحسين حياة من يشاركونه الهمّ الثقافي.
نحو ثقافة الفعل لا القول
ربما آن الأوان لأن نعيد التفكير في معنى الانتماء إلى اتحاد الكتّاب، لا بوصفه شرفًا شكليًا بل مسؤولية فعلية.
فمن شأن مبادرات كهذه أن تفتح الباب أمام حركة ثقافية تضامنية جديدة في الجزائر والعالم العربي، يكون شعارها:
“الكاتب الحقيقي هو من يزرع أثرًا، لا من يترك توقيعًا.”
نبذة عن الكاتب السوري محمد ياسر شرف
محمد ياسر شرف كاتب وروائي سوري من مواليد اللاذقية، يُعدّ من أبرز الأصوات الروائية في المشهد الأدبي السوري المعاصر.
تميّزت أعماله بعمقها الإنساني وتناولها لقضايا الاغتراب والهوية والذاكرة، وكتب في مجالات متعددة تشمل الرواية والمقال والنقد الأدبي.
من أبرز مؤلفاته: أحلام على حافة الجدار، حياة ثانية لامرأة ميتة، المنعطف الأخير، ومدونة وطن في العاصفة.
حاز على جوائز أدبية عربية وسورية، وله حضور فاعل في الملتقيات الأدبية الدولية.
ويُعرف شرف بمواقفه الأخلاقية والإنسانية تجاه زملائه الكتّاب، مجسّدًا في مبادرته الأخيرة نموذج الكاتب الذي يمارس قناعاته بالفعل لا بالقول.
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…
