الثلاثاء. مارس 10th, 2026
0 0
Read Time:2 Minute, 13 Second

بقلم: رياض وطار / كاتب وإعلامي جزائري

لم يكن الممثل المصري ياسر جلال بحاجة إلى كل هذا السيل من الانتقادات، ولا إلى هذا الكم من التأويلات التي خرجت عن حدود اللباقة والتوازن. فتصريحه الأخير في مهرجان وهران، الذي قال فيه إن الجزائر أرسلت وحدات من الصاعقة إلى مصر بعد نكسة 1967 لحماية ميدان التحرير، لا يمكن قراءته إلا في سياق الودّ والاعتراف، لا في خانة الإساءة أو التحريف التاريخي كما حاول البعض تصويره.

ما وراء الجملة التي أشعلت الجدل

جلال، في كلمته، لم يكن مؤرخًا ولا باحثًا عسكريًا، بل فنانًا عبّر بعفوية عن مشاعر التقدير تجاه بلدٍ عربي وقف مع مصر في أصعب فتراتها.
أخطأ في الدقة التاريخية؟ ربما. لكنه لم يخطئ في المعنى الوطني والإنساني الذي حملته عبارته.
فالجزائر لم تكن غائبة عن معارك العرب، ودورها في دعم مصر بعد 1967 وفي حرب أكتوبر معروف وموثّق.
كان يمكن للإعلام أن يلتقط هذا البعد المعنوي، لا أن يحوّل تصريحًا ودّيًا إلى تهمةٍ تمسّ بالسيادة أو التاريخ.

من النقد إلى المبالغة

ما جرى بعد ذلك هو ما يستحق التوقف عنده:
تصاعدت الأصوات المهاجمة، بين من اتهم جلال بالجهل التاريخي، ومن اعتبر كلمته «فضيحة» تستحق الاعتذار الرسمي.
غير أن الهجوم بدا أكبر من حجم الخطأ، وكأنه يعكس نزعة جديدة في الفضاء العربي: تضخيم كل زلة لفظية، وتجاهل النوايا الصافية وراءها.
لقد نسي كثيرون أن الفنان، في لحظة التكريم، كان يتحدث بعفوية، لا بخلفية سياسية أو قصدٍ للإساءة.

كلمة إنصاف

من الإنصاف القول إن جلال قدّم بعد الضجة توضيحًا محترمًا، أكد فيه أنه نقل ما سمعه من والده، ولم يقصد الإساءة لمصر أو تاريخها العسكري.
هذا التوضيح بحدّ ذاته يكشف تواضع الرجل واحترامه لجمهوره ولرمزية جيش بلده.
فكم من شخصيات سياسية ارتكبت أخطاء أخطر ولم تعتذر، بينما اكتفى ياسر جلال باعترافٍ صادق وعبارة تقدير للأشقاء الجزائريين.

بين الكلمة والمسؤولية

في زمنٍ تتسابق فيه المنصّات على صناعة الجدل، لم تعد الكلمة مجرد رأي عابر، بل قنبلة صوتية قد تنفجر بتأويلٍ أو اجتزاء.
وهنا تكمن المفارقة: الفنان الذي أراد أن يعبّر عن المودة بين بلدين، صار ضحية سوء الفهم، وضحية إعلامٍ يتغذى على الضجيج أكثر من المعنى.
لذلك، فإنّ ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الهجوم أو الدفاع، بل ثقافة إنصاتٍ رشيدة تُفرّق بين الخطأ المتعمد والزلّة العابرة، وبين النية السيئة والقول الطيب.

خاتمة

في النهاية، يبقى ياسر جلال فنانًا محبوبًا عبّر عن مودة صادقة تجاه الجزائر، ولم يقصد إلا الخير.
لكن الجدل حول كلمته يعيدنا إلى حقيقة بسيطة: أن الكلمة في زمن السرعة صارت أثقل من الفعل، وأن من يملك المنبر عليه أن يزن عباراته بميزان الذهب،
لأنها قد تُبنى عليها أحكام، أو تُهدم بها جسور محبة…
وما أحوجنا اليوم إلى جسور لا تُهدم.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code