نوار الصمد
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_لم تعُد “الاستقلالية الدفاعية” الأوروبية تُطرح بوصفها مشروعاً للانفصال عن “الناتو”، بل كمسارٍ لبناء قدرة أوروبية أكبر داخل منطق التكامل الأطلسي. فأوروبا باتت تدرك أن التغيرات الجيوسياسية، وخاصةً فيما يتعلق باستمرار التهديد الروسي والسياسات التي تتبناها إدارة ترامب، تفرض عليها مساراً مغايراً. وفي هذا الصدد، انتقل العمل من الشعارات العامة إلى حزمة أدوات وتمويلات مرتبطة بالتسليح والإنتاج، مع إعطاء دور أكبر للمفوضية الأوروبية؛ وذلك بهدف تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية.
مرتكزات رئيسية
مع تسارع التحولات الأمنية في القارة الأوروبية، أخذت فكرة الاستقلالية الدفاعية الأوروبية تنتقل تدريجياً من مستوى الجدل السياسي إلى مسارات مؤسسية وعسكرية أكثر وضوحاً:
1– التحوُّل نحو الاعتماد الذاتي تحت ضغط الصدمات الخارجية: لم تَعُد فكرةُ الاستقلالية الدفاعية الأوروبية تُقدَّم بوصفها خياراً نظرياً طويل الأجل، بل كاستجابةٍ عمليةٍ لتراكُب صدمتين استراتيجيتين: الأولى مرتبطة بحرب “روسيا” على “أوكرانيا” وما أعادته من منطق الردع والضغط النووي إلى قلب الأمن الأوروبي، والثانية مرتبطة بتزايد الشكوك حول استمرارية الضمانة الأمريكية بعد عودة “ترامب”، وما رافقها من نقاشات أمريكية صريحة حول تقاسم الأعباء وتخفيف الانخراط المباشر في الدفاع عن أوروبا.
ولعل هذا ما يفسِّر انتقال النقاش الأوروبي من مستوى الخطاب إلى مستوى البحث عن سد “فجوة الردع” (Deterrence Gap) عبر أدوار وقدرات أوروبية أكبر. وتبدو هذه الدينامية أكثر وضوحاً في اجتماع وزراء دفاع الدول الأوروبية الخمس الكبرى (E5)، التي تضم ألمانيا وفرنسا وبولندا والمملكة المتحدة وإيطاليا، في “كراكوف” خلال فبراير 2026؛ حيث أُطلقت مبادرة “LEAP” لتطوير منصات منخفضة الكلفة وطائرات مسيَّرة ذاتية اعتماداً على خبرة الحرب الأوكرانية، بالتوازي مع تصريح وزير الدفاع البولندي” فلاديسلاف كوسينياك كاميش” بأن “أوروبا استيقظت”.
2– توسيع مسارات العمل الدفاعي الأوروبي: لم تعد الاستقلالية الدفاعية الأوروبية تُبنى عبر مسار مؤسسي واحد، بل عبر مزاوجةٍ عملية بين أطر “الاتحاد الأوروبي” من جهة، وصيغ التعاون المرن بين الدول الأوروبية من جهة ثانية، بما يسمح بتجاوز بطء التوافقات الواسعة عندما تفرض الأزمات إيقاعاً أسرع. ويظهر ذلك بوضوح في النقاش حول أمن “أوكرانيا”؛ حيث برزت صيغة “ائتلاف الدول الراغبة” “coalition of the willing”، أو ما يعرف بتحالف الراغبين، كآلية مرنة لإدارة أزمات عسكرية محتملة خارج التعقيد الإجرائي التقليدي، بالتوازي مع تطوير “الاتحاد الأوروبي” لـ”قوة الانتشار السريع” Rapid Deployment Capacity التي يبلغ قوامها (5000) عنصر، بما يعكس محاولة الجمع بين المرونة السياسية والبناء المؤسسي النظامي. وفي الاتجاه نفسه، تدفع مقاربة “التجمعات الدفاعية” (Defense Clusters) نحو ربط المبادرات المصغرة بالأدوات الأوروبية الأوسع مثل “التعاون الهيكلي الدائم” (PESCO) ومبادرة العمل من أجل الأمن لأوروبا (SAFE)، بحيث يتحول التشتت الحالي إلى منظومة تعاون أكثر تماسكاً.
3– تطوير آليات أوروبية للتمويل الدفاعي: لم تعد أوروبا تتحدث عن “الاستقلالية الدفاعية” بالخطابات فقط، بل بدأت تربط الفكرة بأدوات تمويل وتنفيذ فعلية. هنا يظهر دور المفوض الأوروبي المكلَّف بملف الدفاع أندريوس كوبيليوس داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، الذي يدفع باتجاه تحويل الخطط الدفاعية إلى برامج عملية عبر تمويل واضح. وفي هذا الإطار، برزت مبادرة “SAFE” كأداة أساسية، وهي آلية قروض أوروبية تساعد الدول الأوروبية على تمويل مشتريات ومشاريع دفاعية بشكل أسرع وأكثر تنسيقاً، بدل أن تتحرك كل دولة وحدها. ويصل حجم هذه الآلية إلى (150) مليار يورو، فيما بلغت الطلبات الأولية عليها نحو (38) مليار يورو في وقت قصير من قِبل (8) دول أعضاء، كما تفرض الآلية حداً أدنى من المكوِّن الأوروبي في العقود (65%)، أي إن الهدف ليس فقط شراء السلاح، بل أيضاً تقوية الصناعة الدفاعية داخل أوروبا نفسها. لكن رغم ذلك، ما زالت المشكلة أن جزءاً كبيراً من الإنفاق الدفاعي الأوروبي يُدار وطنياً بشكل منفصل، وهو ما يحدُّ من سرعة بناء قوة دفاعية أوروبية أكثر تماسكاً.
4– اهتمام ألماني–فرنسي بتطوير القدرات الدفاعية الأوروبية: في “مؤتمر ميونخ” في فبراير 2026 أعاد المستشار الألماني “فريدريش ميرتس”تأكيد هدف جعل الجيش الألماني هو “الجيش التقليدي الأقوى في أوروبا”، باعتباره جزءاً من تحوُّل ألماني أوسع في مقاربة الأمن الأوروبي. بالتوازي، قدَّم الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”طرحاً يقوم على “مواءمة” العقيدة الوطنية الفرنسية مع صيغ تعاون أوروبي خاصة (تمارين مشتركة ومصالح أمنية مشتركة)، بينما أشار “ميرتس” نفسه إلى نقاشات مع “ماكرون” حول الردع الأوروبي؛ ما يعكس تقارباً فرنسياً–ألمانياً في فتح النقاش دون الذهاب إلى إدماج سيادي كامل.
5– تبني المفوض الأوروبي للدفاع مقترح تشكيل جيش موحد: برز طرح للمفوض الأوروبي للدفاع “أندريوس كوبيليوس” في يناير 2026 أكثرمؤسساتيةً، عبر الحديث عن “جيش أوروبي” دائم قوامه (100000) عنصر، مع تصورٍ لمجلس أمن أوروبي لإدارة قرار الانتشار، وهو ما يعبِّر عن اتجاه داخل مؤسسات الاتحاد نحو بناء أدوات أوروبية موازية أو مكمِّلة للأطر الأطلسية. يأتي هذا الزخم السياسي مدعوماً بقفزة مالية واضحة؛ حيث إن إنفاق دول الاتحاد الأوروبي العسكري زاد بنسبة (17%) خلال عام 2024؛ حيث وصل إلى 693 مليار دولار.
مع اتساع الطموح الأوروبي دفاعياً، يبقى مستقبل هذه الاستقلالية مرهوناً بقدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز هذه الاختبارات:
1– معضلة العلاقة مع “الناتو” و”الولايات المتحدة”: المسار الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور “للاستقلالية الدفاعية الأوروبية” هو تعزيز “الركيزة الأوروبية” داخل المنظومة الأطلسية، لا إنشاء “جيش أوروبي” واحد بالمعنى الفوري. هذا يتسق مع مواقف مؤثرة داخل أوروبا؛ حيث تؤكد الممثلة العليا للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي “كايا كالاس” أن المطلوب ليس جيشاً أوروبياً موحداً، بل جعل جيوش أوروبا الـ(27)أكثر قدرةً على العمل المشترك، مع رفع الإنفاق وبناء قابلية التشغيل البيني. وفي الوقت نفسه، تطرح مواقف أخرى مثل موقف وزير الخارجية الإسباني “خوسيه مانويل ألباريس” فكرة الجيش الأوروبي كاتجاه استراتيجي ضروري بدور دفاعي ردعي لا هجومي، وعبر مسار طويل الأجل.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن (23) دولة من أعضاء الاتحاد الأوروبي هي أصلاً أعضاء في حلف الناتو؛ ما يُعقِّد أي عملية أوروبية للانفصال عنه. كما يرى الأمين العام للناتو “مارك روته” أن أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها من دون دعم “الولايات المتحدة” في الوضع الحالي؛ الأمر الذي يؤشر على أن مستقبل الاستقلالية الدفاعية الأوروبية لا يُقاس بمدى الابتعاد عن “الناتو”، بل بقدرة الاتحاد على بناء قوة أوروبية مكمِّلة له من دون خلق ازدواجية في القيادة والقرار.
2– القدرة على تنظيم التعاون داخل الأطر الأوروبية المتعددة: يتجه مستقبل الاستقلالية الدفاعية الأوروبية إلى صيغة عملية تجمع بين مسارين في الوقت نفسه: مسار مؤسسي تقوده هيئات “الاتحاد الأوروبي” لتأمين التمويل والتنسيق ووضع الأولويات الدفاعية على المدى المتوسط، ومسار مرن تتحرك عبره مجموعة من الدول الأوروبية الجاهزة للتحرك السريع عند الأزمات من دون انتظار توافق أوسع قد يستغرق وقتاً أطول. هذه الصيغة لا تعني وجود تنافس بين المسارَين، بل تعكس محاولة أوروبية لمعالجة مشكلة حقيقية، وهي بطء القرار الجماعي في الملفات الدفاعية الحساسة؛ لذلك يبدو الاتجاه الأقرب هو توزيع الأدوار بصورة أكثر واقعيةً؛ حيث يوفر “الاتحاد الأوروبي” الإطار التنظيمي والمالي، بينما تتولى التحالفات المرنة جانب الاستجابة السريعة والعملياتية، بما يجعل الاستقلالية الدفاعية أكثر قابليةً للتطبيق على الأرض، لا مجرد هدف سياسي عام.
3– اختبار التمويل والاستدامة المالية: يتجه النقاش الأوروبي حول الاستقلالية الدفاعية إلى عقدةٍ مالية واضحة: كيف يمكن رفع الإنفاق العسكري بسرعة من دون تفجير التوازنات المالية الوطنية؟ في هذا السياق، تبدو دول مثل “فرنسا” و”إيطاليا” (وفي الإطار الأوروبي الأوسع أيضاً “المملكة المتحدة”) أقرب إلى منطق توسيع أدوات التمويل المشتركة؛ لأن تمويل طفرة دفاعية طويلة الأمد من الموازنات الوطنية وحدها يبدو أكثر صعوبةً بالنسبة إليها، بينما يظهر التحفُّظ بشكل صريح لدى “ألمانيا” تجاه فكرة الاقتراض الأوروبي المشترك الواسع النطاق.
وفي المقابل، يتقدَّم مسار “القروض المشتركة” عملياً عبر مبادرة “SAFE” التي تستهدف توفير ما يصل إلى (150) مليار يورو للدول الأعضاء من القروض المدعومة بميزانية الاتحاد الأوروبي. ويستهدف ذلك مساعدة الدول الأعضاء في تعزيز قدراتها الدفاعية من خلال المشتريات المشتركة، بما يعكس وجود كتلة أوروبية تدفع نحو استخدام التمويل الجماعي ولو بصيغة قروض موجَّهة بدل انتظار آليات أبطأ.
4– التمكن من تطوير عمليات التصنيع العسكري: إن مستقبل الاستقلالية الدفاعية الأوروبية لن يُحسَم برفع الإنفاق أو تكثيف الخطاب السياسي فقط، بل بقدرة أوروبا على تحويل الوعود إلى إنتاج وتسليم فعليَّين ضمن آجال قصيرة؛ فالمشهد الأوروبي انتقل فعلاً إلى مرحلة إعادة تسلُّح سريعة مع ارتفاع الإنفاق العسكري الأوروبي، لكن هذا الاندفاع رافقه أيضاً إعادة تسلُّح غير منسَّقة وشراءات متفرقة بين الدول، بما يعكس فجوة بين الزخم السياسي وبين بناء القدرة الصناعية المشتركة والمنظمة.
وتبرز أمثلة توضِّح بطء دورة التسليم مقارنةً بسرعة التهديد؛ فالبرنامج الصناعي المشترك بين “Leonardo” و”Rheinmetall”، لتحديث القوات المدرعة الإيطالية الذي أعلنت عنه إيطاليا في بداية 2025 ويمتد لعقد من الزمن، يشمل تصنيع (132) دبابة و(248) آلية مدرعة أخرى، إضافة إلى نحو (1000) مركبة قتال مشاة، بكلفة تقارب (16) مليار دولار، مع تخصيص نحو (60%) من الإنتاج داخل “إيطاليا”. هذا المثال مهم لأنه يعكس تقدُّماً حقيقياً في السيادة الصناعية الأوروبية، لكنه في الوقت نفسه يُظهر أن بناء قاعدة إنتاج دفاعية متماسكة يحتاج وقتاً صناعياً طويلاً نسبياً، بينما يتحدث الخطاب السياسي الأوروبي عن جاهزية أسرع بكثير. ويتعزَّز هذا المعنى أيضاً في الحالة الفرنسية مع صعوبة إعادة تشغيل إنتاج دبابات “Leclerc” بصيغته القديمة، كما أن المنظومة البديلة الأحدث لن تدخل الخدمة قبل سنوات طويلة، تصل إلى (2045).
5– إشكالية تباين حسابات ومدركات الدول الأوروبية: إن التحدِّيَ الأهمَّ أمام الاستقلالية الدفاعية الأوروبية ليس فقط في زيادة الإنفاق، بل في تنسيق الأولويات بين دولٍ لا ترى التهديد بالدرجة نفسها ولا تتحرَّك بالسرعة نفسها؛ فبينما تتقدَّم دولُ الشمال والشرق الأوروبي نحو صيغ تعاون أكثر كثافةً بفعل ارتفاع الإحساس بالتهديد، تبدو دول في جنوب أوروبا أقلَّ استعجالاً في توحيد الأولويات الدفاعية؛ ما يُنتج تفاوتاً داخل المسار الأوروبي نفسه، كما أن الدول الأوروبية الكبرى، مثل “فرنسا” و”ألمانيا” و”إيطاليا”، تهتمُّ بحماية شركاتها ومصانعها الدفاعية الوطنية؛ لذلك تميل أحياناً إلى عقد صفقات خاصة أو ثنائية تخدم صناعتها الوطنية أولاً.
أما الدول الأوروبية الأصغر، وخصوصاً القريبة من “روسيا” أو التي تشعر بالخطر بشكل أسرع، فهي تركِّز أكثر على السرعة والجاهزية الفورية؛ أي إنها تريد أسلحة وتنسيقاً أوروبياً سريعاً، حتى لو كان ذلك على حساب الحسابات الصناعية الطويلة الأمد. وهكذا يظهر اختلاف داخل أوروبا بين من يعطي الأولوية لـبناء الصناعة الدفاعية الوطنية، ومن يعطي الأولوية للاستعداد العسكري السريع؛ ما يعني أن مستقبل الاستقلالية الدفاعية الأوروبية سيبقى مرتبطاً بقدرة الاتحاد على إدارة هذا التفاوت.
في المحصلة، تبدو السياسات الدفاعية الأوروبية الحالية كخطوة تأسيسية مهمَّة نحو استقلالية دفاعية أكبر، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الاستقلالية الفعلية. نجاح هذا المسار سيتوقف على توافر ثلاثة شروط مترابطة: توحيد الأولويات بين الدول الأوروبية، وتسريع الإنتاج والتسليم داخل القاعدة الصناعية الأوروبية، وتحويل أدوات التمويل المشتركة إلى قدرات عملياتية مشتركة على الأرض. أما إذا بقيت الفجوة قائمة بين الخطاب السياسي والتنفيذ المشترك، فستُنتج أوروبا، على الأرجح، توسعاً في الإنفاق الدفاعي أكثر مما ستُنتج “استقلالية دفاعية” استراتيجية ومتكاملة.
انتريجورنال للتحليلات الاستراتيجية
