الأثنين. مايو 18th, 2026
1 0
Read Time:2 Minute, 33 Second

**نجلاء السيد ((مصر ))

حين يصبح الزيف أكثر إقناعًا منها،
وحين تُلوَّث بميول البعض،
فتفقد نقاءها شيئًا فشيئًا… دون أن نشعر.
لم تعد الحقيقة كما هي،
لم تعد صلبة، واضحة، لا تقبل الشك…
بل أصبحت قابلة للتشكيل،
تُعاد صياغتها وفق الأهواء.
نعيش زمنًا يرتدي فيه الزيف ثوب الحقيقة،
لا ليخدع فقط…
بل ليحصد مشاهدات أكثر،
ويعتلي موجة “التريند” بأسرع ما يمكن.
والمخيف حقًا…
أننا نتوه في رحلة البحث بين أهواء متضاربة،
نطارد الحقيقة وسط ضجيجٍ عالٍ،
فيُصدَّق الكاذب… ويُكذَّب الصادق،
ويصبح من لا قيمة له… صاحب تأثير.
لماذا أصبح كل ما هو مخالف… مثيرًا؟
ليس لأنه أعمق،
ولا لأنه أكثر صدقًا…
بل لأنه يجذب الانتباه في عالمٍ أُصيب بتخمة التضليل.
في زمنٍ تتزاحم فيه المحتويات،
لم يعد العادي كافيًا،
ولا الحقيقة وحدها قادرة على المنافسة…
فكان لا بد من كسر المألوف،
حتى لو كان على حساب المنطق.
لكن السؤال الأهم ليس: لماذا يفعلون ذلك؟
بل: لماذا ننجذب نحن إليه؟
كيف أصبحنا أكثر استعدادًا لتصديق ما يُدهشنا،
حتى وإن شككنا في صدقه؟
ولماذا نقبل أن يُعاد تشكيل وعينا،
بما يريد الآخرون أن نراه… لا بما هو حقيقي؟
هناك من لا يكتفي بعرض الواقع،
بل يُعيد صياغته،
يُضخّم، يُحرّف، ويختار من الحقيقة ما يخدم روايته،
ثم يقدّمه في قالبٍ جذاب…
فيصدّقه الكثيرون، لا لأنه صحيح،
بل لأنه “مُقنع”.
وهنا لا تُشوَّه الحقائق فقط…
بل تُشوَّه العقول أيضًا،
حين يصبح التدليس مهارة،
ويتحول التلاعب إلى وسيلة مشروعة للوصول.
لم تعد الحقيقة تُقاس بصدقها…
بل بعدد من يصفّق لها.
للأسف، أصبحنا نعيش في عالم يركض خلف كل ما هو رائج،
فتنتشر الشائعات بسرعة،
وتُشوَّه سمعة البعض بسهولة.
يكفي مقطع قصير مُجتزأ،
ليُحكم على شخصٍ كامل،
أو صورة عابرة،
لتصنع قصة لم تحدث،
أو تعليق سريع،
ليشعل موجة من الجدل… لا تنتهي عند الحقيقة.
ولعلّ أخطر ما في الأمر…
أننا لم نعد مجرد متلقّين،
بل أصبحنا جزءًا من صناعة هذا الزيف؛
نشاهد دون وعي،
نحكم دون فهم،
ونُصفّق لما قد يكون وهمًا صُنع لإخفاء الحقيقة.
وهكذا،
لا تنتشر الشائعة من فراغ،
بل تجد طريقها في كل ما نشاركه بلا تفكير.
لكن… هل هناك مخرج؟
ربما لا يمكن إيقاف سيل “التريند”،
ولا منع انتشار كل ما هو زائف،
لكن يمكننا أن نختار كيف نتعامل معه:
أن نُبطئ ردود أفعالنا،
فليس كل ما نراه يستحق مشاركة،
ولا كل ما يُدهشنا يستحق التصديق.
أن نُعيد السؤال البسيط:
هل هذا حقيقي… أم مجرد محتوى جذاب؟
أن ندرك أن الحقيقة لا تُبنى على لقطات مجتزأة،
بل على الصورة الكاملة.
أن نتوقف عن منح القيمة لما لا يستحق،
فكل مشاهدة أو إعجاب… دعم غير مباشر له.
وأن نحمي خصوصيتنا،
فليس كل ما نعيشه يجب أن يُعرض.
وأخيرًا…
أن نُدرّب وعينا،
لا على رفض كل شيء،
بل على الفهم قبل الحكم،
والبحث قبل التصديق.
فالحقيقة لم تختفِ…
لكنها لم تعد الأعلى صوتًا،
بل تنتظر من يبحث عنها… لا من يصفّق لما يُعرض عليه.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
100 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code